... الغنم هو الفوز بالشيء من غير مشقة [1] , و الغرم أداء ما لزم [2] . واللفظان متقابلان؛ فالغنم مكسب, والغرم مطلب. ومعنى القاعدة: أن ما يكسبه الإنسان من غير مشقة من مال وغيره, هو مستحق بسبب ما يقابله من تحمل المغارم وأداء اللوازم. وبيان ذلك: أن الشرع بنى حلية المكاسب التي لا تعب فيها ولا مشقة ولا سعي, على جعل الكاسب الغانم عرضة لتحمل ما يقابلها من المغارم وما يجب أداؤه بمقدار ما غنم, كالتاجر مثلًا إنما جاز له أن يغنم الربح بما يقابله من تحمل الخسارة. فكل معاملة قامت على أساس تقبل الغنم دون تحمل الغرم هي باطلة, لأن الغنم لا يحل ولا يطيب إلا بالغرم, أي بتحمله إن كان موجبه, ولذلك جاء من صيغ القاعدة قولهم:"الغنم يتبعه الغرم" [3] وقولهم:"النعمة بقدر النقمة" [4] على أن النعمة بمعنى الغنم, والنقمة بمعنى الغرم ... وليس معنى هذا أن كل من أخذ الغنم وجب عليه الغرم فعلًا. بل المقصود أن عليه أن يتحمل الغرم إن كان, وإلا فقد يغرم وقد لا يغرم إذا لم يقم سبب الغرم, كالتاجر قد لا تتعرض تجارته للخسارة. ولكن العبرة بقبول المبدأ والاحتكام إليه.
... وكما أن الغنم مستحق بالغرم, فإن الغرم مشروع تحمله بالغنم, وقد جاء في الصيغة الثانية من الصيغ الأخرى للقاعدة قولهم:"الغرم مقابل بالغنم"وليس بالضرورة أيضًا وجود الغنم فعلًا لتسويغ تحمل الغرم, بل يكفي ظن وقوعه.
... وإذًا, فالغنم مستحق بالغرم, والغرم واجب بالغنم. وهذا من عدل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: تهذيب اللغة مادة غنم، ولسان العرب مادة غنم.
[2] انظر: تهذيب اللغة مادة غرم.
[3] انظر: الصيغة الأولى من الصيغ الأخرى للقاعدة.
[4] انظر: الصيغة الرابعة من الصيغ الأخرى للقاعدة.