تصرفات المكلفين فلا يقتضي تكرارا لمجرده, وإن كان علة, فإنه لو قال: أعطيت ولدي محمدا لذكائه, وله أولاد آخرون أذكياء؛ لم يعطوا قطعا. والشرط أولى, كقوله: إن دخلتِ الدار فأنتِ مكافئ, فإذا دخل مرة وقع المعلق عليه وانحلت اليمين, ثم لا يتعدد ذلك بتكرر المعلق عليه, إلا إذا قال: كلما دخلت, فإنه يتكرر بتكرر الدخول؛ لأن صيغة كلما تقتضي التكرار بوضعها اللغوي, فليس ذلك من مجرد التعليق بها, بل من صيغتها [1] . .
يستدل لهذه القاعدة بكل ما استُدِلَّ به في قاعدة"الأمر المطلق لا يدل على تكرار ولا على مرة"؛ لأن هذه القاعدة فرعها, ودليل الأصل دليل فرعه [2] , لكن يزاد بعض الأدلة, منها:
1 -أن العرب فرقوا بين قولهم:"افعل كلما طلعت الشمس", وبين قولهم:"افعل إذا طلعت الشمس", ويدل على هذه التفرقة الوضع والشرع, أما الوضع فهو: أن في إحدى العبارتين كلمة وضعت للتكرار, وهي"كلما", وليس في العبارة الأخرى كلمة وضعت للتكرار؛ لأن"إذا"لم توضع للتكرار, هذا من جهة الحقيقة.
وأما من جهة الشرع: فإن الفقهاء أجمعوا على أن الرجل إذا قال لولده:"كلما دخلت الدار فأنت معاقب"أنه يقتضي التكرار, فكلما دخل الدار عوقب, وإذا قال له:"إذا دخلت الدار فأنت معاقب"فدخل مرة واحدة عوقب, ولو دخل ثانيا لم يعاقب, ولم يجمعوا على الفرق بينهما في التكرار, إلا أن أحدهما عند أهل اللغة وأرباب البيان يقتضي التكرار والآخر لا يقتضيه [3] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: المجموع المذهب للعلائي 1/ 491، 492؛ والبحر المحيط للزركشي 2/ 392.
[2] انظر هذا المعنى في: التقريب والإرشاد للباقلاني 2/ 131؛ والتلخيص لإمام الحرمين ص 83.
[3] انظر: التبصرة للشيرازي ص 28؛ وشرح اللمع 1/ 229؛ والمستصفى 2/ 7، 8؛ والتمهيد لأبي الخطاب 1/ 206؛ ونهاية الوصول للهندي 3/ 944؛ وبيان المختصر 1/ 446؛ وتحفة المسؤول 3/ 31.