ومما يحسن بيانه في هذا المقام أنه قد تبين أن حقيقة الاستثناء من القواعد في القسم الثاني تمثل الاستحسان عند بعض الأصوليين, وإذا كان يمثل الاستحسان فإن أسباب الاستثناء من القواعد في القسم الثاني هي نفسها أسباب العدول عن مقتضى القياس في الاستحسان, أو مستند الاستحسان. ولذلك يمكن أن يستفاد مما ذكره الأصوليون في أسباب العدول في الاستحسان لبيان أسباب الاستثناء في القسم الثاني.
وهذا أوان الشروع في بيان أسباب الاستثناء في هذا القسم تفصيلًا:
بعض المسائل تكون داخلة في قاعدة ما, ومع ذلك حكم باستثنائها من قاعدتها, ويكون سبب استثنائها هو ورود نص شرعي فيها بخصوصها منع من إلحاقها بالقاعدة, وهذا السبب من أظهر الأسباب, وقد ذكره بعض العلماء, فمن ذلك قول القرافي:
"المعاني الكلية قد يستثنى منها بعض أفرادها بالسمع" [1] .
ومراده بالسمع النص الشرعي من الكتاب أو السنة.
والاستثناء المستند للنص يراعى به في الغالب دفع ضرورة أو تحقيق حاجة للناس أو نحو ذلك من أسباب الاستثناء التي سيرد بيانها لاحقًا, ولكن العلماء يسندون الاستثناء للنص لأنه هو السبب الظاهر, كما أنه أدعى للتسليم من الأسباب الأخرى؛ ويشهد لذلك أن هناك مسائل ذكرها بعض العلماء على أنها أمثلة للمسائل المستثناة من بعض القواعد بسبب الضرورة والحاجة, وعند التأمل فيها نجد أنه قد ورد فيها نصوص شرعية بخصوصها, مما يتضح معه أن الضرورة أو الحاجة هي السبب الحقيقي للاستثناء, وجاء النص الشرعي الخاص مثبتًا لذلك, وقد أشار الشيخ أحمد الزرقاء لهذا في بعض المسائل المستثناة لأجل الحاجة, فقال:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الفروق 1/ 12.