المطلب الثاني
أهمية القواعد الفقهية في إضفاء التجانس والترابط داخل كل مذهب [1]
يتفق جميع العلماء - من مختلف المذاهب - أن الحكم الشرعي مرجعه إلى الله تعالى, وأن أدلة الأحكام, أو أصولها, ومناهجها وقواعدها, هي الطرق المؤدية لإظهار حكم الله والكشف عنه. ولقد كان من الأمور البدهية أن يختلف أئمة الفقه في اعتماد هذه الأصول والقواعد, وفي كيفية استثمارها في استنباط الأحكام, والوصول إلى تعرف حكم الله تعالى, نتيجة لاختلاف الفهم والتقدير والموازنة.
وكان بعض الأئمة - كمالك / 3 والشافعي - يسجل آراءه بنفسه مع ما يؤيدها من أسانيد نقلية وعقلية, فيتضح لأصحابه وفقهاء مذهبه الأصول والقواعد التي كونت آلات اجتهاده, ويتخذونها أساسا للتخريج الفقهي واستنباط أحكام جديدة لما ينزل من وقائع.
وكان بعض الأئمة - كأبي حنيفة / 3 وابن حنبل - يعلنون آراءهم ويصدرون أحكامهم فيما يعرض عليهم من وقائع غير مصحوبة بأدلتها أو بالأصول التي كانت أساسا لبنائها عليها. ثم جاءت طبقة من المجتهدين في المذهب والمخرجين للمسائل والحلول, تنقب عن الأصول والقواعد والأدلة التي قيد بها الأئمة اجتهادهم, فلم يخرجوا عن حدودها. واستطاعت هذه الطبقة من المجتهدين في المذهب والمخرجين على أصوله وقواعده استنباط أصول الأئمة وقواعدهم وأدلتهم, عن طريق نظرهم في الأحكام والموازنة بينها, وضمِّ الشبيه إلى شبيهه والنظير إلى نظيره, حتى استقرت الأُسس التي بُني عليها المذهب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] معظم المادة العلمية لهذا المطلب جاءت نتيجة لقراءات طويلة ومعمقة لكتب متعددة تناولت بالبحث والدرس تاريخ التشريع الإسلامي وأسباب اختلاف الفقهاء مذكر منها على سبيل المثال: (الإنصاف في التنبيه على أسباب الاختلاف) للبطليوسي، و (الإنصاف في بيان أسباب الخلاف) للدهلوي، (ورفع الملام عن الأئمة الأعلام) لابن تيمية، و (الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي للحجوي الثعالبي) ، ونحو ذلك.