المراد بالأهلية هنا: أهلية الأداء الكاملة: وهي صلاحية الشخص لصدور التصرفات منه على وجه يعتد به شرعا, وعدم توقفها على رأي غيره, وتثبت هذه الأهلية للشخص البالغ العاقل, فكل من كان كذلك, كان أهلا لخطاب التكليف بجميع أنواعه, فتصح منه جميع العبادات والعقود والتصرفات الشرعية, وتترتب عليها آثارها, كما يؤاخذ بأعماله الصادرة منه مؤاخذة كاملة [1] .
ومعنى الضابط: أن التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم, وقد أجرى الله أحكامه في الدنيا على أسباب, ليعرف العباد بالأسباب أحكامها, ليسارعوا بذلك إلى طاعته, واجتناب معصيته, إذا وقفوا على الأسباب؛ فأمر المكلفين كلهم ونهاهم, ودعاهم إلى طاعته واجتناب معصيته [2] , وقد اطرد جريان الأوامر على وفق تحقيق مصالح العباد, وجريان النواهي على وفق دفع المفاسد عنهم, ولهذا قالوا: (( الأوامر تعتمد المصالح والنواهي تعتمد المفاسد ) ) [3] .
ولما كانت العقوبات قد انتظمها سلك النواهي, التي تعتمد درء المفاسد, كان الباعث على تشريع العقوبات الزجر عن المفاسد المترتبة عليها [4] , وهذا الزجر لا يتحقق عند فقدان أهلية التكليف, فإن فاقد الأهلية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الكلام في الأهلية وأنواعها في: فتح الغفارلابن نجيم 3/ 82، مرآة الأصول للإزميري 323، التلويح على اتوضيح 2/ 755، تيسير التحرير لأمير بادشاه 4/ 253، كشف الأسرار للبخاري 4/ 1368، تسهيل الوصول للمحلاوي ص 305، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج 2/ 164، أصول الفقه لحسين حامد حسان 387 - 392، أصول الفقه لمحمد زكريا البرديسي 1333 - 1335، عوارض الأهلية لصبري معارك 123 - 125.
[2] انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام لعز الدين ابن عبد السلام 2/ 73.
[3] الفروق للقرافي 2/ 83.
[4] انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/ 178 - 179.