لكنك لا تستطيع أن تقول لمن رأى الماء المحيط, ولا لمن رأى الحيوان الناهق: ما رأيتَ بحرا, وما رأيتَ حمارا؛ لأن هذه الألفاظ استعملت فيما وضعت له, فهي حقائق لا يصح نفيها, والذي يصح نفيه هو المجاز [1] .
قال الجصاص: وتنفصل الحقيقة من المجاز بأن ما لزم مسمياته فلم ينتف عنه بحال فهو حقيقة فيه, وما جاز انتفاؤه عن مسمياته فهو مجاز؛ لأن أصل المجاز وقاعدته أنه يصح نفيه [2] . .
الاستقراء؛ لأنه بالاستقراء والتتبع لألفاظ اللغات وجد أن كلمة استعملت على سبيل المجاز في معنى, يصح نفيها فيما استعملت فيه, بخلاف الحقيقة فإنه لا يصح نفيها؛ لأنها هي الأصل الموضوع له اللفظ.
كما أن كل معنى طارئ يمكن زواله ونفيه, بخلاف المعنى الحقيقي, وإلا عرت الألفاظ عن معانيها الموضوعة لها, وهذا لم يقل به أحد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: أحكام القرآن للجصاص 1/ 386؛ والمستصفى للغزالي 2/ 21؛ والتمهيد للكلوذاني 1/ 144؛ والمحصول للرازي 1/ 329؛ والإحكام للآمدي 1/ 65؛ والمغني للخبازي 1/ 29؛ والذخيرة للقرافي 6/ 353؛ والإبهاج للسبكي وولده 1/ 234؛ ونهاية السول 1/ 207؛ والقواعد والفوائد لابن اللحام 1/ 173؛ ومسلم الثبوت لمحب الله بن عبد الشكور 1/ 205؛ وشرح طلعة الشمس لابن حميد 1/ 213.
[2] انظر: أحكام القرآن للجصاص 1/ 386، وراجع المعنى في: أصول السرخسي 1/ 172؛ والإحكام للآمدي 1/ 30؛ والبحر المحيط للزركشي 2/ 475؛ والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج 2/ 450؛ والمختصر في أصول الفقه لابن اللحام 1/ 43؛ وشرح الكوكب المنير لابن النجار 1/ 82؛ والكليات لأبي البقاء الكفوي 1/ 566؛ وشرح طلعة الشمس 1/ 213.