ينهض بحجية هذه القاعدة الأدلة التي سبق بيانها في الأصل الكلي (وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد) ؛ حيث إن جميع الوسائل والأسباب التي وضعتها الشريعة إنما وضعتها لأجل ما تجلبه من مصالح وما تدرؤه من مفاسد, فإذا تخلفت عن بلوغ مصلحتها التي لأجلها شرعت, فهذا يعني أنها على خلاف الوضع الشرعي الذي أراده الشارع وابتغاه, وهذا يقتضي تغيير حكمها الأصلي الذي كان لها أول الأمر. لأن"الأسباب من حيث هي أسباب شرعية لمسببات, إنما شرعت لتحصيل مسبَّباتها, وهى المصالح المجتلبة أو المفاسد المستدفعة" [1] .
كما تستند هذه القاعدة إلى الدليل العقلي, حيث إن الوسيلة إذا لم تؤد وظيفتها فإن التشبث بها يصبح ضربا من العبث والسدى الذي لا طائل منه, والشريعة منزهة عن ذلك كله.
تطبيقات القاعدة:
1 -إذا غلب على الظن أن ضرب الصبي لا يحقق مقصوده, ولا يفضي إلى غايته وحكمته الشرعية المرجوة منه وهي التأديب, فإن الضرب لا يجوز ولا يشرع, لأن الوسيلة إذا لم تفض إلى مقصودها فلا عبرة بها, قال العز بن عبد السلام:"فان قيل إذا كان الصبي لا يصلحه إلا الضرب المبرح فهل يجوز ضربه تحصيلًا لمصلحة تأديبه؟"
قلنا: لا يجوز ذلك, بل لا يجوز أن يضربه ضربًا غير مبرح لأن الضرب الذي لا يبرح مفسدة, وإنما جاز لكونه وسيلة إلى مصلحة التأديب, فإذا لم يحصل التأديب سقط الضرب الخفيف كما يسقط الضرب الشديد, لأن الوسائل تسقط بسقوط المقاصد." [2] ."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] العبارة للشاطبي في الموافقات 1/ 243.
[2] قواعد الأحكام 1/ 161 تحقيق د. نزيه حماد وعثمان ضميرية. وقد ذكر في قاعدة (الوسائل تسقط بسقوط المقاصد) أنها تقتضي سقوط المقصد من أصله، وفي مسألة ضرب الصبيان للتأديب لم يسقط المقصد وإنما الذي سقط هو الوسيلة التي لم تفض إلى مقصدها، أما المقصد نفسه فيمكن الوصول إليه بطريق آخر، كالنصح، والوعظ، وإيراد المثال على أنه تطبيق لقاعدة سقوط المقاصد فيه قدر من التجوز.