إن الأدلة التي تقدم ذكرها في قاعدة"يرجح خير الخيرين بتفويت أدناهما ويدفع شرّ الشّرين بالتزام أدناهما. [1] هي جميعها أدلة لهذه القاعدة أيضا, حيث إن تقديم المصلحة الأصلية على المصلحة المكمِّلة, وتحمل مفسدة فوات المكمِّل, لأجل الحفاظ على المكمَّل هي من آثار ومقتصيات ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعًا, ودفع شرّ الشَّرين إذا لم يندفعا جميعًا."
على أنه يضاف إلى تلك الأدلة النقلية التي تم تقريرها في محلها, بعض الأدلة العقلية التي اعتنى الشاطبي بإبرازها, وهي [2] :
أولا: أن المكمِّل مع مكمَّله كالصفة مع الموصوف, وإذا كان فقد الصفة لا يعود بفقد الموصوف على الإطلاق, بخلاف العكس, كان جانب الموصوف أقوى في الوجود والعدم, وفي المصلحة والمفسدة, فكذا ما كان مثل ذلك.
الثاني: أن الأصل مع مكمِّلاته كالكليّ مع الجزئيّ, وقد علم أن الكلي إذا عارضه الجزئي فلا أثر للجزئي, فكذلك لا أثر لمفسدة فقد المكمِّل في مقابلة وجود مصلحة المكمَّل.
والثالث: أن المكمِّل من حيث هو مكمِّل إنما هو مقوّ لأصل المصلحة ومؤكد لها, ففواته إنما هو فوات بعض المكمِّلات, مع أن أصل المصلحة باق, وإذا كان باقيًا لم يعارضه ما ليس في مقابلته. كما أن فوت أصل المصلحة لا يعارضه بقاء مصلحة المكمِّل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظرها في قسم القواعد المقاصدية.
[2] الموافقات 2/ 184 - 185.