فهرس الكتاب

الصفحة 3445 من 19081

يقين الإنسان هو اعتقاده الجازم الذي لا تردد فيه بحيث لو استُحلف عليه لحلف. ومعنى القاعدة: أن المكلف مأمور ببناء الأحكام المتعلقة به على يقينه هو لا على يقين غيره, فإذا تعارض يقينه مع يقين غيره وجب عليه العمل بيقينه والبناء عليه دون التفات إلى يقين غيره, فمن تيقن أنه سها عن صلاة العصر ولم يصلها, وأخبره غيره أنه رآه يصليها, فعلى هذا الساهي أن يعمل بيقينه ويفرغ ذمته بصلاة العصر, ولا يلتفت إلى يقين غيره الذي أخبره بأنه صلاها, لأنه بالنسبة له لا يعدو كونه خبر آحاد. وهذه القاعدة متفرعة عن قاعدة"اليقين لا يزول بالشك"؛ لأنه إذا كان اليقين لا يزول بالشك , فإن يقين الشخص لا يزول بيقين غيره, فيقين الإنسان إذا تعارض مع يقين غيره, كان يقين الغير في حكم الظن عنده, فلا يزول به يقينه. وعلى هذا فمجال القاعدة هو تعارض اليقينين: يقين الإنسان ويقين غيره, فينزل يقين الغير حينئذ منزلة الظن؛ لأنه إنما هو يقين في حق معتقده. ألا ترى أن الشاهد العدل إذا شهد بما رأى وسمع وعلم, موقنًا بذلك, فإن شهادته لا تخرج عن حيز الظن عند القاضي, فكونها يقينًا إنما هي باعتبار اعتقاد الشاهد.

وعدم بطلان يقين الإنسان بيقين غيره إنما يكون في حقه هو, ولا يتعدى إلى غيره. فكل يقين من اليقينين المتعارضين تنبني أحكامه على صاحبه دون الآخر. فيكون كل منهما مخاطبًا بيقينه, أما الجمع بين اليقينين ومراعاتهما معًا, فلا يبقى معه يقين, لأنهما مختلفان, ولا يقين مع الاختلاف. فلو اختلف اثنان في شيء وادعى كل منهما خلاف ما يدعيه الآخر وكل منهما موقن بما يدعيه, فإن كلاًّ منهما بالنظر إلى نفسه هو على يقين, ويقينه لا يبطله يقين الآخر, لكن يقينه بالنظر إلى الآخر هو ظن, ومن باب أولى بالنظر إلى غيرهما, فغير هذَيْن المختلفَيْن لا يثبت عنده يقينٌ مع اختلافهما؛ إذ الاختلاف مانع من حصول اليقين لديه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت