فهرس الكتاب

الصفحة 960 من 19081

ومن قواعد الإمام مالك الأصولية ردُّه لخبر الواحد المخالف لظاهر القرآن إلا إذا اعتضد الخبر بعمل أهل المدينة, وكذلك إذا خالف القواعدَ القطعية المقررة في الدين كقاعدة رفع الحرج, وفي ذلك رد خبر إكفاء القدور, وهو ما روي أن إبلًا وغنمًا ذبحت من الغنائم قبل قسمها, فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإكفاء القدور وجعل يمرغ اللحم في التراب , ورده له لأن في تمريغ اللحم في التراب إفسادًا ومنافاة للمصلحة [1] .

وبالجملة فإن القواعد الأصولية كانت واضحة عند إمام دار الهجرة , سواء في كتابه الموطأ أو في المدونة , رواية سحنون عن ابن القاسم عنه, أو في رسالته للإمام الليث بن سعد , الذي تحاور معه في حجية عمل أهل المدينة [2] .

ج_ وبعد الإمام مالك , جاء الإمامُ محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ) , فوجد قواعد أصول الفقه آخذة في الظهور والتبلور, بِناء على اجتهادات الصحابة والتابعين وأتباعهم. ووجد مسائل عدة ما زالت محل جدل وأخذ ورد بين الفقهاء. فحفزه ذلك على الشروع في تدوين هذا العلم وضبط قواعده. وتعزّزَ هذا الاتجاه عنده بأسباب أخرى منها:

1_ أن تدوين العلوم عمومًا كان قد بدأ في الفترة التي سبقت عصره بقليل, حيث عمد أهل اللغة إلى وضع علم النحو لضبط حركة اللسان, كما جمعت الأحاديث من البلدان ودونت. وبدأ التصنيف والجمع للأحكام الفقهية, فوفر ذلك المادةَ المساعدة على التصنيف في أصول الفقه [3] .

2_ أن اتساع رقعة الدولة الإسلامية أدى إلى الاختلاط بين العرب وغيرهم, فأدى ذلك إلى دخول المفردات والأساليب غير العربية ساحة التخاطب,

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الموافقات للشاطبي 3/ 21، 22؛ ومالك للشيخ محمد أبي زهرة ص 301.

[2] راجع رسالة الليث ابن سعد في إعلام الموقعين لابن القيم.

[3] مقدمة ابن خلدون 1/ 548 الطبعة المشار إليها سابقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت