سبق بيان أن هذه القاعدة تمثل المنهج الوسط المبني على التوازن بين مراعاة الألفاظ واعتبار المعاني, هذا التوازن الذي من فقده وقع لا محالة في أحد جانبي الإفراط أو التفريط, وكِلاَ طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ, يظهر هذا جيدا في بعض الفتاوى والاجتهادات المبنية على تغليب أحد هذين الجانبين على الآخر بما أوقع صاحب هذا المَيْلِ إلى أحد الطرفين في بعض الأفراد الفقهية والاجتهادية:
1 -ورد النهي في الحديث الشريف عن البول في الماء الراكد؛ في قوله صلى الله عليه وسلم: (( لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ ) ) [1] , فوقف الظاهرية عند حدود هذا اللفظ غاضين الطرف عما وراءه من الحكمة والمقصد؛ فذهبوا إلى أنه: (( لو بال في ماء جار ثم أغلق صببه فركد جاز له الوضوء منه والاغتسال منه ) ), وأغرب من هذا أنه (( لو بال خارجا منه ثم جرى البول فيه فهو طاهر, يجوز الوضوء منه والغسل له ولغيره ) ) [2] .
2 -ما ذكره بعض المعاصرين أنه لا زكاة ولا ربا في الأوراق النقدية باعتبار أن النص الشرعي قد ورد في الذهب والفضة لا في الأوراق النقدية, فمثل هذا الفهم قد غالى في اعتبار الألفاظ دون الالتفات إلى المعاني البتة, فالذهب والفضة قد وجبت فيها الزكاة لما فيها من معنى الثمنية, وهذه الثمنية أصبحت قائمة اليوم في الأوراق النقدية قيامها في الذهب والفضة بل وأكثر, فعن طريق هذه الأوراق يحصل الناس على مختلف السلع من عقار ومنقول, وهي التي تدفع في دية القتل, وهي التي يقبض بها الناس رواتبهم وأجور عقاراتهم, وعليها تعاقب القوانين كلها من سرقها أو اختلسها أو أخذها رشوة,"فكيف ساغ لهؤلاء أن يغفلوا"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه الجماعة، وهذا لفظ البخاري.
[2] المحلى لابن حزم 1/ 142.