وهذه القاعدة تبين عناية الشريعة الإسلامية بحفظ الحقوق وحرصها على أدائها إلى أصحابها كاملة وافية, وتسليمها إليهم دون تغيير, ومن أجل ذلك شدد الفقهاء في الإلزام برد الحقوق بأعيانها ما دام ذلك ممكنا.
والقاعدة محل اتفاق بين الفقهاء, ويستفاد ذلك من اتفاق الفقهاء على رد المغصوب بعينه؛ قال ابن قدامة:"من غصب شيئا لزمه رده, ما كان باقيا, بغير خلاف نعلمه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"على اليد ما أخذت حتى تؤديه" [1] , وقال الإمام أبو الوليد بن رشد:"الواجب على الغاصب إن كان المال قائما عنده بعينه لم تدخله زيادة ولا نقصان أن يرده بعينه, وهذا لا خلاف فيه" [2] ."
ومجالها واسع يشمل كل الأعيان التي يكون ردها واجبا على من هي في يده, سواء أكانت مضمونة؛ كالمغصوب والمسروق والمستعار, أم كانت أمانة, كالوديعة, والعين المستأجرة.
1 -قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] , قال القرطبي:"فالآية شاملة بنظمها لكل أمانة وهي أعداد كثيرة, وأمهاتها في الأحكام الوديعة واللقطة والرهن والعارية" [3] , وقال السبكي:"فإذا كانت الأمانات تجب تأديتها إلى أهلها, فالمضمونات المأخوذة عدوانا بطريق أولى, فكان النص دالا على رد العين إلى صاحبها ما دامت باقية" [4] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه أبو داود 4/ 202 (3556) ؛ والترمذي 3/ 566 (1266) ؛ والنسائي في الكبرى 5/ 333 (5751) ؛ وابن ماجه 2/ 802 (2400) من حديث الحسن عن سمرة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[2] بداية المجتهد لابن رشد 2/ 317.
[3] تفسير القرطبي 5/ 257.
[4] فتاوى السبكي 2/ 512، وانظر: مجموع الفتاوى 28/ 266.