التعبد والمعقولية أو اعتبار المعاني بالنسبة للأحكام الشرعية, سبق بيان معناها في قواعد هذا الباب, قواعد المقاصد في الاجتهاد.
وهذه القاعدة الشاطبية مكونة من شقين:
الشق الأول: بيَّن فيه الشاطبي أن الأحكام التعبدية لا يدخلها القياس فلا تفريع عليها؛ لعدم وجود علة صالحة لأن تُتخذ أساسًا للقياس وتعدية الحكم من الأصل إلى الفرع للاشتراك في العلة الجامعة بينهما في الحكم, وذلك لأن العقل قد لا يدرك علتها؛ لدقتها أو خفائها أو لعدم انضباطها؛ ولهذا يمتنع فيها قياس التعدية, بأن يقاس غيرها عليها.
ومن ذلك المقدرات الشرعية, كأعداد الركعات, وتكرير السجود في كل ركعة, والاقتصار فيها على ركوعٍ واحدٍ, وطهرٍ واحدٍ ونحو هذا مما لا يضر خفاء الوجه فيه, ونُصُبِ الزكواتِ, ومقاديرِ الحدودِ والكفارات [1] , وكذلك جميع التحكمات المبتدأة التي لا ينقدح فيها معنى, فلا يقاس عليها غيرها؛ لأنها لا تعقل علتها. [2]
والشق الثاني: بيَّن فيه الشاطبي أن الأحكام المعقولة المعنى التي ظهرت عللها ومقاصدها, لا بد فيها من اعتبار التعبد. مما قد يُشعر القارئ بنوعٍ من التناقض عند الشاطبي, وليس الأمر كذلك؛ لأن مراد الشاطبي باعتبار التعبد هنا ليس ما ذكره في الشق الأول من القاعدة, وإنما مقصوده أن يستشعر المكلف وهو يأتي بالتكاليف والأحكام المعقولة المعنى, حق الله تعالى ووجوب طاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه, فيأتي بها طاعة وامتثالا وانقيادًا للأمر والنهي الإلهي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: المستصفى للغزالي، ط 1 مؤسسة الرسالة -بيروت 2/ 341، محاسن الشريعة، للقفال الشاشي ص 22 - 23.
[2] المستصفى للغزالي 2/ 341.