المطلب الثالث
الواقعية
عنصر الواقعية في القواعد الفقهية هو من جملة العناصر التكميلية لها ولفائدتها. والواقعية في القاعدة هي أن يكون حكمها منطبقاَ على جزئيات موجودة وقائمة في الواقع, لأن عدم اتصافها بذلك يجر إلى الطعن فيما تقدم من مقوّماتها الموضوعية. فالكلية - مثلا - تقدم أنها تتحقق في القاعدة بوجود جزئياتها, والتجريد هو تعرية الحكم عن أعيان الجزئيات ليشملها كلها, فهو يقتضي وجودها أيضا, والاطراد أو الأغلبية هو تعلق الحكم بكل جزئياته أو جلها. فكل هذه الصفات تستلزم وجود الجزئيات, ووجودها يستلزم واقعية القاعدة. ولا مانع بعد ذلك من أن يتعلق حكم القاعدة ببعض جزئياتها تعلقا فعليّا آنيّا, ويتعلق ببعضها تعلقا صلوحيّا شأنيّا كما تقدم, لأن ذلك لا ينفي عن القاعدة واقعيتها, بل إن التعلق الصلوحي الشأني مع التعلق الفعلي يدل على قيمة القاعدة وقوة استيعابها وعنصر التجدد في مجالاتها وصورها التطبيقية, بحيث كلما جد شيء من نظائر جزئياتها كانت أوعب له وأوعى.
والفقه الإسلامي قد نشأ واقعيّا في فروعه وأصوله, جزئياته وكلياته, حتى في مسائله الافتراضية, لأنها كانت تبنى على ما هو واقع ومتوقع منها, بحيث تعرض النازلة على الفقهاء, فيقررون حكمها الشرعي على الوجه الذي وقعت به, ثم يفترضون بعد ذلك لها
وجوها أخر يمكن أن تقع بها, فيلتمسون لها أحكامها الشرعية تحسبا لوقوعها المرتقب. فهذا اللون من الافتراض مبني على منطلق واقعي, لذلك لا يغير من واقعية الفقه شيئا. وما قد يصاغ من هذا الفقه من قواعد لا يغير من واقعيته أيضا, لأن العبرة في الشيء بالأصل والغالب.
وإذا فالواقعية في القاعدة كما تلتمس في خصائصها السابقة من كلية وتجريد واطراد أو أغلبية, يجب أن تلتمس في صياغتها وشكلها الخارجي, ليتكامل فيها المعنى مع المبنى.