-وكان عمر رضي الله عنه يُفتي في الحوادث, ويُفتي غيرُه من الصحابة؛ ثم يرجِع عمر فيختار رأي غيره؛ ولهذا روي أنه رجع إلى قول علي رضي الله عنه في مسائل, وقال: لولا عليٌّ لهلك عمر. [1] ؛ ورجع إلى قول مُعاذ , وقال: عجز النساء أن يلدن مثل معاذ. [2]
فقد دلَّت هذه الشواهد وغيرُها على أن العادة جارية فيما بين أهل الاجتهاد على إظهار الخلاف من غير توقف؛ فيكون سكوتهم بعد انتشار القول, وانقضاء مدة النظر دليلا على رضاهم؛ ويعتبر ذلك إجماعًا وحجة. [3]
1 -إجماع الصحابة رضي الله عنهم على جمع عثمان رضي الله عنه القرآن في مصحف واحد؛ فقد روي عن علي أنه قال:"لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا؛ فوالله ما فعل الذي فعل إلا عن ملإ مِنَّا. قال: ما تقولون في هذه القراءة؟ لقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتكَ؛ وهذا يكاد أن يكون كفرًا. قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن أجمع الناس على مصحف واحد, فلا تكون فُرقَةٌ ولا اختلاف. قلنا: نِعمَ ما رأيت." [4]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه ابن عبد البر في الاستيعاب في معرفه الأصحاب 3/ 206 (1875) ، عن سعيد بن المسيب، قال: كان عمر يتعوذ باللَّه من معضلة ليس لَهَا أَبُو حسن. وقال فِي المجنونة التي أمر برجمها وفي التي وضعت لستة أشهر، فأراد عُمَر رجمها- فَقَالَ لَهُ علي:"إن الله تعالى يَقُول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} ..."الحديث. وَقَالَ لَهُ: إن الله رفع القلم عَنِ المجنون ... الحديث، فكان عُمَر يَقُول: لولا عليّ لهلك عمر.
[2] رواه ابن أبي شيبة 14/ 543 (29408) ، والدارقطني 3/ 322 (281) ، والبيهقي في السنن الكبرى 7/ 443.وقوله:"عجزت النساء أن تلدن"رواه الحافظ ابن حجر في الإصابة 3/ 427 (8037) ، وقال: أخرجه محمد بن مخلد (بن حفص) العطار (الدوري ت 331 هـ) في فوائده.
[3] شرح اللمع للشيرازي 2/ 691 وما بعدها.
[4] رواه ابن شبَّة في تاريخ المدينة المنورة 3/ 995، وابن أبي داود في المصاحف 1/ 96 - 97، والآجري في الشريعة 4/ 1784، 1785 (1243) ، (1244) .