هذا الاستقراء إلى أبعد من ذلك فيقول: وأول شاهد على هذا أصل الشريعة فإنها جاءت متمِّمَة لمكارم الأخلاق ومُصلِحة لما أُفسِد قبلُ من ملة إبراهيم عليه السلام. [1]
ما نزل في سورة البقرة - وهي مدنية - من الآيات التي قررت أحكام العبادات والعادات والنكاح والمواريث والدماء والجنايات جاءت مبنية على ما جاء في سورة الأنعام - وهي مكية - وذلك من بناء القرآن المدني على المكي.
1 سورة الأنعام نزلت في مكة ولذلك كان تركيزها على بيان العقائد وأصول الدين مما حدا ب العلماء إلى أن يخرجوا منها قواعد التوحيد التي استقل بالتصنيف فيها المتكلمون من إثبات وحدانية الله تعالى إلى إثبات الإمامة, ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان من أول ما نزل عليه سورة البقرة وهي مدنية, وفيها تقرير قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الأنعام, ومنها العبادات والعادات من المأكول والمشروب وغيرها من المعاملات من البيوع والأنكحة وما دار بها, والجنايات وأحكام الدماء وما يليها, وذلك كله كان بناء للقرآن المدني على المكي.
2 ـ يقول القرطبي: وهو بصدد تفسير قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . [الأنعام 145] والآية مكية ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء, ثم نزلت سورة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] - الموافقات 3/ 274. الطبعة المشار إليها سابقا.