سبب الاستثناء هنا هو الحاجة, والحاجة تشبه الضرورة التي وردت في السبب السابق, إلا أن الحالة التي تعرض للمكلفين في هذا السبب أقل درجة من حالة الإلجاء التي تكون في الضرورة [1] , فمعنى ذلك أن المسألة تكون داخلة في القاعدة, ولكن يتعلق بها حاجةٌ للمكلف, ولا تتحقق حاجة المكلف بالحكم الوارد في القاعدة, فيكون وجود الحاجة مانعًا من إلحاق المسألة بالقاعدة, فيحكم بخروج المسألة عن القاعدة لهذا السبب, وتعطى المسألة الحكم الذي تتحقق به حاجة المكلف.
وهذا السبب ذكره العلائي مع السبب السابق في سياق واحد, فقال:
"قاعدة فيما يستثنى من القواعد المستقرة إما للضرورة أو الحاجة الماسة" [2] .
ومما ينبغي التنبيه عليه أن هذا السبب - وهو الحاجة - يدخل فيه حاجة المكلفين في مجالات شتى, كالحاجة للتوسعة في كثير من مسائل العبادات والمعاملات, وكذا الحاجة لدفع الحرج والمشقة, ومن وجوه الحاجة للتوسعة ودفع الحرج العفو عما تعم به البلوى لكثرة وقوعه ومشقة الاحتراز عنه, أو لتفاهته, أو ما أشبه ذلك, ومن وجوه الحاجة للتوسعة اعتبار العادة وبناء الحكم عليها في الأمور التي من شأنها أن تختلف باختلاف الأزمان والأمكنة والأشخاص والبيئات ونحو ذلك؛ إذ إن إلزام الناس فيها بشيء واحد أمر فيه عسر وصعوبة, فهم محتاجون لدفع هذا العسر, ويكون ذلك باعتبار العادة. وإنما وقع التنبيه على اندراج هذه الأمور في هذا السبب - وهو الحاجة - لأن بعض العلماء ربما عد هذه الأمور وما أشبهها على أنها أسباب مستقلة, وهي عند التحقيق تعود لمراعاة حاجة المكلفين, وخاصة ما يعم منها عددًا كبيرًا من أفراد الأمة, فإن الحاجة العامة تنزل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: شرح القواعد الفقهية ص 155.
[2] المجموع المذهب - مخطوط - ورقة (272/ب) . وانظر النص نفسه في: كتاب القواعد للحصني 3/ 364.