عليه حد الضرب, فيكون قد أقيم عليه حدان في وقت واحد, فهذا قبيح لا يستقيم في الاستحسان" [1] ."
ب_ وأما الإمام مالك (ت 179 هـ) فقد آل إليه فقه الحجازيين والتزم طريقتهم, وتمسك بإجماع أهل المدينة واعتمد عليه كثيرًا في فروعه, حتى غدا مصدرًا بينًا بين مصادر مذهبه. كما كان في غير ما اتفق عليه أهل المدينة يتخير من آرائهم إذا اختلفوا. وكان يدعم ترجيحه للرأي الذي يرتضيه بموافقته لتخريج من الكتاب أو السنة, أو كثرة القائلين به, أو موافقته لقياس قوي [2] .
واتخذ الإمام مالك لنفسه مصطلحات خاصة تعبر عن قواعده, كقوله:"الأمر الذي لا اختلاف عليه عندنا, أو الأمر ببلدنا, أو السنة عندنا", بحسبانها مصطلحات تعبر عن اعتماده على عمل أهل المدينة [3] . كما أنه عند التخير من آراء أهل المدينة كان يستخدم عبارة:"هذا أحسن ما سمعت", و"هذا أحب ما سمعت إليَّ". وقد استخدم القياس كثيرًا في موطئه. وروى أصبغ عنه قوله:"الاستحسان تسعة أعشار العلم", و"الاستحسان عماد العلم" [4] . كما كان يعتمد على قاعدة سد الذرائع, وخاصة في بيوع الآجال [5] . ويعتمد على قاعدة:"المصالح المرسلة"كثيرًا أيضًا. وفي هذا يقول ابن رشد تعقيبًا على زكاة المدير عند الإمام مالك:"ومثل هذا هو الذي يعرفونه بالقياس المرسل, وهو الذي لا يستند على أصل منصوص عليه في الشرع إلا ما يفعل من المصلحة الشرعية فيه, وهو- رحمه الله- يعتمد المصالح وإن لم تستند إلى أصول منصوص عليها" [6] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الجامع الكبير ص 165.
[2] حجة الله البالغة للدهلوي 1/ 116.
[3] راجع الموطأ بشرح السيوطي 1/ 190، 198، 232، و 2/ 241.
[4] الموافقات للشاطبي 4/ 210؛ والاعتصام 2/ 138.
[5] الموطأ بشرح السيوطي 2/ 61، 62.
[6] بداية المجتهد لابن رشد 2/ 270.