المصالح والمفاسد, فيظهر بذلك أيهما الأعلى وأيهما الأدنى, وأيهما الأشد وأيهما الأخف ...
قال ابن عبد السلام:"طلب الشرع لتحصيل أعلى الطاعات, كطلبه لتحصيل أدناها في الحد والحقيقة, كما أن طلبه لدفع أعظم المعاصي, كطلبه لدفع أدناها, إذ لا تفاوت بين طلب وطلب, وإنما التفاوت بين المطلوبات, من جلب المصالح ودرء المفاسد." [1]
والثانية: تتعلق بالاجتهاد للنوازل والأفعال غير المنصوصة, لتقرير مرتبتها وحكمها وما يلزم فيها. وهذا يحتاجه المجتهدون والقضاة والولاة, في فتاويهم وأحكامهم وسياستهم الشرعية. ويحتاجه القضاة - بصفة خاصة - عند النظر في الجرائم التعزيرية وتقدير العقوبات المناسبة لها. لأن هذا إنما ينبني على النظر فيما تجره الأفعال من مفاسد وما تُفَوِّته من مصالح. وهو مقتضى قاعدتنا وثمرتها. وستأتي أمثلته في تطبيقات القاعدة.
... هذه القاعدة دلت عليها عدة نصوص من الكتاب والسنة, كما دل عليها استقراء أحكام الشريعة, في كونها متفاوتة المراتب.
... فمن القرآن الكريم:
1 -قوله تعالى {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة-19, 20] . ففي الآيتين إنكار على من توهموا أن تقديم بعض الخدمات لبيت الله الحرام ولحجاجه, يمكن أن يعدل ويعوض الجهادَ بالنفس والمال, والهجرةَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 1/ 19.