لهذا القول توجيهًا, ولعل وجهه أن العلة المستنبطة أضعف من المنصوصة لهذا يشترط فيها الانعكاس, ويمكن الإجابة على هذا الوجه بما هو معلوم من أن العلة - مستنبطة أو منصوصة - لا تعدو أن تكون أمارة ودليلًا على الحكم, والدليل كما أسلفنا لا يشترط انعكاسه مع مدلوله, وكذلك فإن ما قررته القاعدة من عدم اشتراط العكس في صحة العلة إنما هو في حالة تعدد العلل, ومن ثم لا يكون هذا الشرط لازمًا في صحتها لجواز ثبوت الحكم بعلة أخرى.
1 -أن تعليل الحكم بأكثر من علة جائز, ومن ثم فإن انتفاء العلة لا يلزم منها انتفاء الحكم؛ لجواز ثبوته - أي الحكم - بعلة أخرى غير تلك العلة المنتفية, وعليه لا يكون العكس شرطًا في صحة العلة [1] .
2 -أن العلة الشرعية ليست موجبة للحكم بذاتها, وإنما هي أمارة ودليل عليه [2] , ولا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول [3] فالعالم إذا دلّ على وجود الباري عز وجل لم يدل فقده على فقده تعالى [4] , وبناء عليه لا يكون العكس شرطًا في صحة العلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) انظر التلخيص لإمام الحرمين 3/ 221 فقرة (1660) ؛ والتحبير شرح التحرير للمرداوي 7/ 3246؛ والبحر المحيط للزركشي 7/ 181، 183؛ والتقرير والتحبير لابن أمير حاج 3/ 181 ط: دار الكتب العلمية.
[2] انظر الفصول في الأصول للرازي الجصاص 4/ 257 ط: وزارة الأوقاف الكويتية؛ وتحفة المسؤول للرهوني 4/ 57؛ والمستصفى للغزالي ص 305؛ وكشف الأسرار لعبد العزيز البخاري 3/ 377؛ ولباب المحصول لابن رشيق 2/ 680؛ وشرح الكوكب المنير لابن النجار 4/ 39.
[3] ) البحر المحيط 7/ 181.
[4] انظر التلخيص لإمام الحرمين 3/ 223 فقرة (1662 و 1663) .