وإن كثر استعمال اللفظ في مجازه, حتى صارت الحقيقة مهجورة: فيقدم المعنى المجازي؛ لأنه صار حقيقة شرعية أو عرفية, وهنا يصير هو الأصل لا باعتبار أنه معنى مجازي, بل باعتبار أنه صار حقيقة, ومثاله: لو حلف لا يأكل من هذه النخلة؛ فإنه يحنث بثمرها لا بخشبها, وإن كان الخشب هو الحقيقة, لكنها لما هجرت وحل محلها المعنى المجازي عرفا حتى صار حقيقة, حمل عليه. فعلى كلٍ الحقيقة تتقدم إلى ذهن السامع؛ لأنها هي الأصل. .
يدل لهذه القاعدة الإجماع, والمعقول:
1 -أما الإجماع؛ فهو أن الكل قد أجمع على أن الأصل في الكلام الحقيقة, ويدل له: ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال:"ما كنت أعرف معنى (الفاطر) حتى اختصم إليَّ شخصان في بئر, فقال أحدهما: فطرها أبي, أي: اخترعها" [1] .
وقال الأصمعي:"ما كنت أعرف (الدِّهاق) حتى سمعت جارية بدوية تقول: (اسقني دِهَاقا) أي: ملآنا". فهاهنا قد استدلوا بالاستعمال على الحقيقة, ولولا أنهم عرفوا أن الأصل في الكلام الحقيقة, لما جاز لهم ذلك [2]
2 -وأما من المعقول, فوجوه منها:
أ- أن اللفظ إذا تجرد عن القرينة, فإما أن يحمل على حقيقته, أو على مجازه, أو عليهما, أو لا على واحد منهما, والثلاثة الأخيرة باطلة؛ فتعين الأول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث 4/ 373، والشافعي في المسند بترتيب محمد عابد السندي 1/ 74، والدولابي في الكنى والأسماء 1/ 252، والبيهقي في الأسماء والصفات 1/ 78، وشعب الإيمان 2/ 257، وابن عبد البر في التمهيد 18/ 78. وحسن إسناده المناوي في الفتح السماوي 4/ 278.
[2] انظر: المحصول للرازي 1/ 341.