ثالثا: من المعقول:
إن تقديم المصلحة الغالبة على المفسدة النادرة حكم تفرضه الضرورة العقلية, حيث إن إهمال الغالب لأجل النادر, سيفضي إلى تعطيل مصالح الناس بمنع إقدامهم على الأسباب المشروعة, لمجرد احتمال الوقوع في المفسدة.
قال العز بن عبد السلام:"لما كان سعيُ العباد لجلب المصالح العاجلة والآجلة, ودفع المفاسد العاجلة والآجلة, جاءت الشريعة باتباع الظن في ذلك لغلبة صدق الظن, وندرة كذبه, فلذلك لم تزل للمصالح الغالبة خوف من مفاسد نادرة. ولو اعتبر الشرع اليقين في العبادات والمعاملات وسائر التصرفات, لفاتت مصالح كثيرة خوفًا من وقوع مفاسد يسيرة, بل في بعض المصالح ما لو بني على اليقين لهلك العباد وفسدت البلاد." [1] .
إن المتتبع لموارد الشريعة الكثيرة يجد اعتبار الشارع للظنون الغالبة في تقرير الأحكام ووجوب العمل بمقتضاها, وعدم الاكتراث بالنادر القليل رغم احتمالية وقوعه, وهذا جار في جميع أبواب العبادات والمعاملات, وقد ذكر العز بن عبد السلام أمثلة كثيرة على هذا المعنى, منها مثلا [2] :
-في شرائط الصلاة لو شرط فيها اليقين لم تحصل؛ إذ لا قطع باستقبال غير القبلة, إلا لمن كان بالحرمين.
-وفي الزكوات لو اعتبر فيها اليقين لم تجب ولفات أجر باذلها ورفق آخذيها؛ إذ لا قطع بإيمان باذلها ولا آخذها, ولا بصفات استحقاق الأخذ وتملك النصاب. ولا تخلو عن موانع الزكاة كالديون والنذور والرهون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] شجرة المعارف والأحوال ص 361، انظر هذا المعنى أيضا في قواعد الأحكام 1/ 3.
[2] انظر هذا بتوسع في شجرة المعارف والأحوال ص 361 - 376.