ويتضح بهذا أن مراعاة الخلاف داخلة في عموم إعطاء كل من الدليلين ما يقتضيه من الحكم المعبر عنه بقاعدة:"ما تردد بين أصلين يوفر حظه عليهما [1] "كما صرح بذلك بعض الفقهاء [2] .
ولا شك أن الاتفاق على أفضلية الخروج من الخلاف - إذا روعيت شروطه - يمثل مظهرا من مظاهر تشوف الفقهاء إلى التقارب بين المذاهب لما فيه من إعطاء الرأي المخالف ما يناسب من الاعتبار بحسب قوة دليله. ويتأكد ذلك إذا أريد به مراعاة مقصد شرعي سواء بين المذاهب مثل الاحتياط في أمور الدين.
... ويتبين مما سبق أن قاعدتنا معتبرة لدى مختلف المذاهب الفقهية وأن مجال تطبيقاتها واسع يشمل العبادات والعادات والمعاملات لوقوع الخلاف المعتد به في أكثر مسائل الشريعة. وبالغ الإمام السيوطي في كثرة مسائلها فقال:"فروعها كثيرة جدا لا تكاد تحصى" [3] .
1 -حديث اختصام سعد بن أبي وقاص و عبد بن زمعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غلام: فقال سعد هو ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه, وقال عبد بن زمعة هو أخي ولد على فراش أبي من وليدته فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلى شبهه فرأى شبها بيِّنًا ب عتبة فقال: هو لك يا عبد , الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة/ H [4] . ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قد حكم بالولد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المبسوط للسرخسي 25/ 25، 27/ 89، 7/ 144، 26/ 178.
[2] انظر: شرح حدود ابن عرفة للرصاع ص 182.
[3] الأشباه والنظائر للسيوطي ص 135.
[4] رواه البخاري في عدة مواضع 3/ 54 (2053) ، و 3/ 81 (2218) ، و 8/ 153 - 154 (6749) ، 8/ 156 (6765) ، 9/ 72 (7182) ، عن عائشة رضي الله عنها؛ ومسلم 2/ 1080 (1457) عن عائشة رضي الله عنها، و 2/ 1081 (1458) عن أبي هريرة رضي الله عنه.