وبهذا يتبين أن هذه القاعدة معقولة المعنى لجريانها على أصول ومقاصد شرعية راسخة ولذا كثر إعمال الفقهاء لها في شتى المذاهب , وفرعوا عنها قاعدة:"الظلم يحرم تقريره [1] ", المؤكدة لمحاربة الشارع الاعتداء على الآخرين وظلمهم, وهي قاعدة واسعة الانتشار كما هو مبين في صياغتها [2] .
ومجال تطبيق القاعدة واسع يشمل العبادات والمعاملات كما يتضح من تنوع تطبيقاتها.
1 -قوله تعالى: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ} [آل عمران 82] , ووجه الاستدلال بهذه الآية أن المفسرين يقولون في تأويلها: ونكتب قتلهم الأنبياء , أي رضاهم بالقتل. والمراد قتل أسلافهم الأنبياء؛ لكن لما رضوا بذلك صحت الإضافة إليهم. ففيها دلالة على أن الرضا بالمعصية معصية [3] .
2 -قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء 40] , ووجه الاستدلال بهذه الآية ما ذكره القرطبي في تفسيرها, قال: أي أن الرضا بالمعصية معصية؛ ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم [4]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] حاشية ابن عابدين 5/ 331، تنقيح الفتاوى الحامدية لابن عابدين 3/ 497.
[2] انظر: صياغة القاعدة"الظلم يحرم تقريره".
[3] انظر: تفسير القرطبي 4/ 294.
[4] تفسير القرطبي 5/ 418.