فهرس الكتاب

الصفحة 3710 من 19081

المراد بالمشقة في هذه القاعدة المشقة الزائدة على القدر المعتاد, وقد عبر بعضهم عنها بعدم الإمكان, ويعنون بذلك عدم الإمكان إلا مع ضيق وحرج, وتدخل فيه صورة عدم الإمكان والاستحالة الحقيقية من باب الأولى, وإن كان المعنى الأول هو المراد في هذه القاعدة.

والاحتراز, والتحرز: أي التوقي.

ومفاد القاعدة: أن الأمور التي طلب الشارع من المكلف تركها وعدم التلبس بها, لكن ليس في وسع المرء التحفظ منها, ولا يمكنه الامتناع عنها, إلا بحَرَج وتحمل مشقة زائدة غير معتادة, فهي عفو ومتجاوز عنها, ساقطة الاعتبار شرعًا, ولا تترتب عليها أحكام في الدنيا, ولا يؤاخَذ بها في الآخرة.

وهذه القاعدة من القواعد الفقهية الكبيرة التي تجري في جميع الأبواب الفقهية, من العبادات والمعاملات, والجنايات, وغيرها, واتفق على مضمونها - في الجملة - كافة الفقهاء. وهي تمثل جانبًا مهمًا, ومظهرًا واضحًا من مظاهر اليسر والسماحة التي اتصفت بها هذه الشريعة الغراء, وتميزت بها عن الشرائع السابقة, ويتجلى فيها أصل رفع الحرج عن العباد الذي نطقت به النصوص الشرعية؛ إذ هي من القواعد المتفرعة من قواعد رفع الحرج والمشقة, مثل"المشقة تجلب التيسير", وقاعدة"الضرورات تبيح المحظورات", و"إذا ضاق الأمر اتسع", وما شابهها من القواعد التي تدل على أن الطاعة بحسب الطاقة, وما ليس في وسع المرء سقط عنه التكليف به, ولا شك أن ما لا يستطاع الامتناع عنه أصلًا, أو يشق الاحتراز عنه, هو من هذا القبيل؛ لأن فيه حرجًا ومشقة على المكلف, كما أن فيه الضرورة, وهي مسقطة للحظر, كما هو معلوم, ولذلك وجدنا الفقهاء يعللون هذه القاعدة والمسائل المتخرجة عليها برفع الحرج والضرورة, فمن ذلك - مثلًا - قول الإمام الكاساني - رحمه الله تعالى-:"كل فضل مشروطٍ في البيع ربا ... , إلا ما لا يمكن التحرز عنه؛ دفعًا للحرج" [1] , ويقول في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] المرجع نفسه 5/ 187.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت