الاعتبار هو الاعتداد بالشيء في ترتب الحكم, والمراد به: النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالاتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها, وهو أحد قوانين الشرع, والأصل أن الشيء إذا كان يمكن اعتباره بنفسه في تعلق الحكم به فلا يعتبر بغيره؛ لأن الأليق بطريق الفقه عدم اعتبار الشيء بغيره إذا أمكن التقدير حقيقة [1] , أما إذا تعذر اعتبار نفس الشيء في تقرير الحكم بنفسه فإنه يعتبر بغيره للتوصل إلى ذلك ما أمكن؛ حتى لا يهدر دليل صح نقله أو تخلو واقعة من حكم, وهذا ما تقرره هذه القاعدة.
وباستقراء أشهر النوازل الفقهية المبثوثة في الفقه مما اعتبر فيه غير الشيء لتعذر اعتبار نفسه في تقرير حكمه وتأمل القواعد ذات العلاقة تبين أن مرجع التعذر إلى سببين في الجملة:
السبب الأول: خفاء حقيقة الشيء, وهذا ما عبرت عنه قاعدة:"ما تعذر الوقوف على حقيقته يعتبر فيه العلامة", وعلامة الشيء أقرب مما تدل عليه؛ كالإيمان الذي عليه مدار النجاة في الآخرة يحصل بمجرد التصديق القلبي, أما فيما يتعلق بإجراء الأحكام الدنيوية كصلاة الجنازة والتوارث والمناكحات [2] فإن ربط الأحكام بالتصديق القلبي متعذر, لعدم التمكن من الاطلاع عليه, فوجب اعتبار دليله الظاهر وهو النطق بالشهادتين في بناء الحكم, وكاعتبار السفر بدلا من المشقة في تقرير الرخصة, وكشهر الصوم معتبر بالهلال في ابتدائه وانتهائه [3] وكاعتبار علامات البلوغ بدلا من التمييز في الانفكاك عن دور الصبا والقدرة على أداء التكاليف الشرعية وترتب آثار التصرفات في حق الشخص على وجه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المبسوط للسرخسي 1/ 26.
[2] تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي 1/ 61.
[3] أحكام القرآن للجصاص 1/ 350.