ذلك في قراض ولا مساقاة ولا مزارعة ولا جَعَالة ( .... ) فإن ذلك لو شُرِطَ لفاتَتْ مصالح هذه التصرفات ومقاصدها, ولا يخفى ما في فوات هذه المصالح من المفسدة والإضرار" [1] ."
أولًا: الحاجة: إذ الناس في معاملاتهم في حاجة ماسة إلى إبرام جعالات يكون العِوَضُ فيها مما يحصل بعمل العامل, ويكون جزءًا شائعًا في الناتج أو المتحصل, مع التسامح بجهالة مقداره, طالما أن جهالته لا تمنع التسليم, ولا تُفضي إلى منازعة وخصومة, وذلك متناسبٌ مع طبيعة عقد الجعالة ومقاصده ومصالحه, وما قرره بعض المحققين من الفقهاء فيه بقوله:"الجهالةُ تحتمل في الجعالة لمسيس الحاجة [2] ", و"الجعالة إنما تجوز بحسب الحاجة [3] ".
ومن المقرر المعلوم أنّ قاعدة"الحاجة"تقتضي اغتفار المحظورات الشرعية كالجهالة والغرر في كل معاملة أو معاوضة يحتاجُ الناس إليها, ويلحقهم مشقةٌ وعُسْرٌ في الاحتراز عنها, لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] , وقوله: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] . قال الجصاص:"لما كان الحرجُ: الضيق, ونفى اللهُ عن نفسه إرادة الحرج بنا, ساغ الاستدلالُ بظاهره في نفي الضيق وإثبات التوسعة في كل ما اخْتُلِفَ فيه من أحكام السمعيات" [4] .
وقد بيَّنَ العز بن عبد السلام تأصيل مضمون هذه القاعدة بقوله:"اعلم أنَّ"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] القواعد الكبرى 2/ 258.
[2] نهاية المطلب 17/ 480.
[3] المغني 13/ 58، الشرح الكبير على المقنع 10/ 130.
[4] أحكام القرآن 2/ 391.