توجه هذه القاعدة إلى الأصل الذي يجب التزامه لفهم النصوص الشرعية الإسلامية
فهما صحيحا موافقا لمقصود الشارع ومراده, ومحل تطبيق هذه القاعدة هو عندما تظهر بعض النصوص الشرعية الجزئية التي قد يوهم ظاهرها التكليف بأعمال لا تطاق والإلزام بأعباء لا يقدر عليها المكلف. ومفاد القاعدة مجل الدراسة أن الواجب في هذه الحالة هو حمل هذا الخطاب على التكليف بالأعمال المقدورة, وهي إما أن تكون سابقة ومتقدمة على العمل المخاطب به ظاهرًا, أو لاحقة ومتأخرة وناتجة عنه, أو مصاحبة ومقارنة له, فهذه الأعمال السابقة أو المقارنة أو اللاحقة هي المقصود الحقيقي للشارع من وراء خطابه, وليس العمل غير المقدور.
ويمكن أن يمثل لهذه القاعدة بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي جاء يستوصيه, فقال له صلى الله عليه وسلم ثلاثا:"لا تغضب" (1) , حيث إن الفهم الأولي الذي قد يتبادر إلى الذهن هو النهي عن ذات الغضب, ولكن الغضب أمر طبيعي فطري لا يمكن تخليص الجبلة منه, ولا يملك الإنسان قهر نفسه ومنعها من هذه الغريزة الطبيعية, ومن هنا كان الخطاب في ظاهره تكليفًا بما هو غير مقدور؛ لأنه نهي عن الطباع الغريزية التي ليس في وسع الإنسان الامتناع عنها (1) .
على أن هذا الفهم المتبادر أولا من ظاهر الحديث ليس هو المقصود الحقيقي للرسول صلى الله عليه وسلم , لأن غاية التكليف الامتثال بالأفعال المكلف فيها, ولا امتثال حيث يكون الفعل غير مقدور عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه البخاري 8/ 28 (6116) ؛ ورمز له المزي (رقم 12846) خ ت؛ وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: 10/ 536 (6116) . قوله: (أن رجلا) هو: جارية- بالجيم - بن قدامة؛ ورواه أحمد؛ وابن حبان 12/ 552 (5689) ؛والطبراني في الكبير 2/ 261 - 264 (2093 - 2096) (2099) (2103 - 2107) ؛وفي الأوسط 8/ 240 (7487) من حديثه مبهمًا ومفسرًا، ويحتمل أن يفسره بغيره؛ انظر كتاب غوامض الأسماء المبهمة لابن بشكوال 1/ 122.
[2] انظر: فتح الباري 10/ 520؛ وتحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري 6/ 139.