المطلب الأول
الكلية والعموم والشمول والاستيعاب
مصطلح"الكلية"في هذا المقام الذي نحن بصدده هو مصدر اصطناعي مأخوذ من لفظة"كل"التي هي من ألفاظ العموم, وهي ملازمة للإضافة, فلا يجوز دخول"أل"عليها إلا إذا كانت عوضا عن المضاف إليه, فحينئذ تكون لفظة"الكل"المعرفة, بمعنى"كله"على تقدير حذف المضاف إليه, وتكون"أل"الداخلة عليها للإضافة أو للعهد, لا للاستغراق, لأن العموم مستفاد من لفظة"كل"بعد الإضافة.
والكلية بمعناها المصدري هي كون الشيء, كلا لا جزءاَ, ويقابلها الجزئية وهي كون الشيء جزءا لا كلا. وقد ترد صفة لموصوف كقولنا: قاعدة كلية, وقضية كلية, أي: منسوبة إلى الكل.
والكلية عند المناطقة هي ثبوت الحكم لكل فردٍ من أفراد الجنس, كقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] . وفي اصطلاح الفقهاء يمكن أن نقول - استخلاصا من كلامهم: هي تعلق الحكم بجزئياته كلها أو جلها لا بجزئية واحدة, لأنه إذا تعلق بجزئية واحدة كان حكما جزئيا غير كلي, قاصرا غير متعدٍّ, وحينئذ لا يصلح أن تنتهض به القاعدة. ومعنى تعلقه بجزئياته: أنه قاضٍ عليها وهي منضبطة به, دائرة في فلكه مجذوبة إليه بقوة سريانه وجريانه عليها, سواء كان ذلك بالفعل أو بالصلاحية له, لأن الحكم الذي في القاعدة قد يتعلق ببعض جزئياته - مما هو موجودٌ وواقعُ - تعلقا فعليّا حاصلا في الخارج, وقد يتعلق ببعضها - مما لم يقع بعدُ - تعلقا معنويّا صُلوحيّا, أي: يكون صالحا للتعلق بها إن وجدت, وهذا التعلق الصلوحي هو السر في قاعدية