في التعاقد, وهذا هو الواقع في خطاب جميع الخلق بل في أفصح الخطاب وأبلغه, فإن من مهَّد قاعدةً بيَّن بها مراده فإنه يطلق الكلام ويرسله, وإنما يريد به ذلك المقيَّد الذي تقدم, والمستمع يفهم ذلك منه ويحمل كلامه عليه, كالعالم يقول مثلا: يجوز للرجل أن يوصي بثلث ماله, فلا يدخل في كلامه المجنون ونحوه للعلم بأنه قد قرَّر في موضع آخر أن المجنون لا حكم له في الشرع, فكذلك الرجل يقول: بعتُ وأنكحتُ, فإن هذا اللفظ وإن كان مطلقًا في اللفظ, فهو مقيَّد بما تشارطا عليه قبلُ, ومعنى كلامه: بعتك البيع الذي تشارطنا, وأنكحتك النكاح الذي تراضينا به, فمن جعل كلامه مطلقًا بعد أن تقدم منه المشارطة والمواطأة فقد خرج عن مقتضى قواعد خطاب الخلق, وكلامهم في جميع إيجابهم ومقاصدهم [1] "."
1 -حديث ذي الرقعتين؛ ذلك الرجل الفقير الذي اتفق معه قرشيٌّ طلق زوجته ثلاثًا على أن يحلِّلها له, فلما دخل بالمرأة ورضيت به اتفق معها على عدم الطلاق فرفع القرشي أمره إلى عمر رضي الله عنه , فقال عمر لذي الرقعتين:"أتطلق امرأتك؟ قال: لا والله لا أطلقها, قال عمر: لو طلقتها لأوجعت رأسك بالسوط" [2] . قال الذين استدلوا بالحديث:"وهذا قد تقدم فيه الشرط على العقد ولم ير به عمر بأسًا [3] "أي أنه رأى صحة العقد مع تقدم الشرط المفسِد ولم يعتبره كالمقارن للعقد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الفتاوى الكبرى 3/ 352.
[2] رواه سعيد بن منصور 2/ 76 (1999) ، والبيهقي في الكبرى 7/ 209 (14582) عن ابن سيرين به.
[3] الشرح الكبير لابن قدامة 7/ 533 - 534، قال ابن قدامة يرد استدلالهم:"ولنا قول النبي ' (لعن الله المحلل والمحلل له) ، وقول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم، فيكون إجماعًا، ولأنه قصد به التحليل فلم يصح كما لو شرطه، أما حديث ذي الرقعتين فقال أحمد: ليس له إسناد، يعني أن ابن سيرين لم يذكر إسناده إلى عمر، وقال أبو عبيد هو مرسل فأين هو من الذي سمعوه يخطب به على المنبر: لا أوتى بمحلل ولا محلَّل له إلا رجمتهما؟ ولأنه ليس فيه أن ذا الرقعتين قصد التحليل ولا نواه، وإذا كان كذلك لم يتناول محل النزاع". نفس المرجع السابق، وانظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية 3/ 329.