استدل لهذه القاعدة بأدلة من القرآن الكريم, واستعمال أهل اللغة, منها:
... 1 - قوله تعالى: {وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [هود: 34] .
ووجه الدلالة: أنه قد اعترض الشرط بين الشرط والجزاء فاعترض قوله {إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} على قوله {إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ} قبل استتمام الجواب, فالتقدير: لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم إن أردت أن أنصح لكم, والمعنى: إن كان الله يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم, وقلنا المعترض هو المقدم؛ لأنه لا يمكن أن يكون الشرطان كالشرط الواحد لنزول الجزاء لعدم العطف, كما أنه لا يمكن جعل الثاني مع الجزاء جزاء للأول لانعدام حرف الجزاء وهو الفاء؛ فتعين أن يكون المذكور أولا هو الجزاء؛ لأن الجزاء متى قدم على الشرط لا يحتاج إلى الرابط فقدم المؤخر لذلك [1] ,
ويدل عليه: أن إرادة الله تعالى متقدمة على إرادة البشر من الأنبياء , فالمتقدم لفظا متأخر وقوعا.
... 2 - قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50] والمعنى - والله أعلم: إن أراد النبي أن يستنكحها إن وهبت نفسها؛ لأن إرادة النكاح - في الأصل - سابقة على الهبة, فالمرأة لما فهمت قصد النبي صلى الله عليه وسلم لذلك منها وهبت نفسها له, فلذلك جعل الأول هو الجزاء, وهو وإن كان متأخرا في الذكر إلا أنه متقدم في المعنى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] - انظر: التحقيق الباهر 2/ 160؛ غمز عيون البصائر في شرح قول ابن نجيم"الشرط متى اعترض على الشرط يقدم المؤخر"؛ البحر المحيط للزركشي 3/ 338.