أصلي الليل أبدًا, وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر, وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا, فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم, فقال:"أنتم الذين قلتم كذا وكذا, أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له, لكني أصوم وأفطر, وأصلي وأرقد, وأتزوج النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني" [1] .
حيث تضمن هذا الحديث تصويب فكر أولئك الرهط الذين توهموا أن في تلمس الأفعال التي يرهق بها المكلف نفسه, زيادة في الأجر والثواب عند الله تعالى, وكشف الحديث أن في تتبع الأعمال الشاقة لذاتها مخالفة لمنهج الإسلام الذي يقوم على اليسر والسماحة لا التشديد والنكاية بالناس. وهذا ما وضحه ابن حجر العسقلاني في شرحه لهذا الحديث بقوله:"المراد بالسنة الطريقة -لا التي تقابل الفرض -, والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره, والمراد: من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني, ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى, وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التزموه, وطريقة النبي صلى الله عليه وسلم الحنيفية السمحة فيفطر ليتقوى على الصوم, وينام ليتقوى على القيام, ويتزوج لكسر الشهوة, وإعفاف النفس, وتكثير النسل. وقوله: فليس مني إن كانت الرغبة بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه فمعنى"فليس مني"أي على طريقتي ولا يلزم أن يخرج عن الملة, وإن كان إعراضا وتنطعا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله فمعنى فليس مني ليس على ملتي؛ لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر." [2]
1 -لا يصح التقرب بالمشاق؛ لأن القرب كلها تعظيم للرب سبحانه وتعالى, وليس عين المشاق تعظيما ولا توقيرا. [3]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه البخاري 12/ 534 (5063) ، مسلم 2/ 1020 (1401) .
[2] فتح الباري لابن حجر 9/ 106.
[3] قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 1/ 31.