المطلب الثاني
الوضوح
الوضوح في القاعدة هو ظهور معناها من جهة مبناها. بحيث بمجرد قراءة عباراتها التي صيغت بها, وألفاظها التي بنيت منها, ينكشف مضمونها ويدرك محتواها.
وصفة الوضوح في القاعدة مكملة لصفة الإيجاز السابقة, لأن الإيجاز من غير وضوح قد يكون ضربا من الإلغاز ينبهم معه معنى القاعدة, فلذلك لا بد مع الإيجاز من وضوح المعنى الإجمالي للقاعدة.
ويتحقق الوضوح في القاعدة بأمور منها:
1 -انتقاء الألفاظ الدقيقة ذات الدلالة الاصطلاحية. فكلما تأتى استعمال المصطلحات الفقهية والأصولية لا يعدل عنها إلى الألفاظ ذات الدلالة اللغوية الأدبية, لأن القاعدة الفقهية يجب أن يكون أسلوبها على قدر كبير من العلمية, فقول الفقهاء - مثلا:"الضرورات تبيح المحظورات"قاعدة مكونة من ثلاثة ألفاظ كلها ذات دلالة اصطلاحية ظاهرة محددة منضبطة علمية, وهذا هو منشأ وضوحها.
ويلزم مما ذكرناه أن تجتنب الألفاظ الغامضة والغريبة غير المألوفة, ونحو ذلك مما لا يليق ببناء القاعدة.
2 -أن تكون القاعدة في عبارتها نصّا على حكمها الذي تتضمنه, بحيث لا يكون فيها مجال للاحتمال والتردد, لأن"النص"في اصطلاح الأصوليين هو ما دل على معنى دون احتمال غيره, كقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ} [المائدة: 5] فهو نص في حليَّة الطيبات, فلو صغنا من هذه الآية قاعدة فقلنا:"كل طيب حلال"أو"الأصل في الطيبات الحل"لكانت قاعدة محكمة واضحة.