5 -اختلف الفقهاء في إصدار الزوج لتطليقتين أو ثلاث تطليقات لزوجته في طهر واحد؛ فاعتبره الحنفية مكروها ونوعا من أنواع الطلاق البدعي, ولم ير الشافعي به بأسا, وقال:"لا أعرف في عَدد الطلاق سنة ولا بدعة, بل هو مباح, وإنما السنة والبدعة في الوقت فقط" [1] . وقد أفاض الكاساني في الدفاع عن الرأي الحنفي وعرْضِ أدلته. ومن حججه في ذلك:"أن النكاح عقد مصلحة, لكونه وسيلة إلى مصالح الدين والدنيا, والطلاق إبطال له, وإبطال المصلحة مفسدة. وقد قال الله عز وجل: {وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ} , وهذا معنى الكراهة الشرعية عندنا: أن الله تعالى لا يحبه ولا يرضى به. إلا أنه (أي النكاح) قد يخرج من أن يكون مصلحة لعدم توافق الأخلاق وتباين الطبائع, أو لفساد يرجع إلى نكاحها, بأنْ عَلِمَ الزوجُ أن المصالح تفوته بنكاح هذه المرأة, أو أن المقام معها سبب فساد دينه ودنياه, فتنقلب المصلحة في الطلاق, ليستوفي مقاصد النكاح من امرأة أخرى, إلا أن احتمال أنه لم يتأمل حق التأمل ولم ينظر حق النظر في العاقبة قائم, فالشرع والعقل يدعوانه إلى النظر, وذلك في أن يطلقها طلقة واحدة رجعية" [2] .
6 -وفي مسألة الطلاق البدعي إذا صدر من الزوج, هل تعتبر الطلقة البدعية وتحتسب أم لا؟ , رجح ابن القيم رأي المانعين, وعرض حججهم بإسهاب, ومنها قولهم:"فالشارع إنما حرمه (أي الطلاق البدعي) ونهى عنه لأجل المفسدة التي تنشأ من وقوعه, فإن ما نهى عنه الشرع وحرمه لا يكون قط إلا مشتملا عن مفسدة خالصة أو راجحة, فنهى عنه قصدا لإعدام تلك المفسدة. فلو حُكم بصحته ونفوذه لكان ذلك تحصيلا للمفسدة التي قصد الشارع إعدامها, وإثباتا لها ...".
وأيضا:"فوصفُ العقدِ المحرم بالصحة, مع كونه منشئا للمفسدة ومشتملا على الوصف المقتضي لتحريمه وفساده, جمعٌ بين النقيضين؛ فإن الصحة إنما تنشأ"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني 3/ 95، دار الكتاب العربي، بيروت، 1982، الطبعة الثانية.
[2] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 3/ 95.