والقاعدة تعكس الدور الوقائي الذي يضطلع به التشريع الإسلامي من حيث منعه للمفاسد وأسبابها حتى ولو ترتبت عليها بعض المصالح ما دامت تلك المصالح هي أقل من حجم المفاسد أو تساويها.
أولا: من القرآن الكريم:
1 -قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة 19] .
قال العز بن عبدالسلام:"حرمهما لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما. أما منفعة الخمر فبالتجارة ونحوها, وأما منفعة الميسر فبما يأخذه القامر من المقمور, وأما مفسدة الخمر فبإزالتها العقول, وما تحدِثه من العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة, وأما مفسدة القمار فبإيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وهذه مفاسد عظيمة لا نسبة للمنافع المذكورة إليها." [1]
ثانيا: من السنة النبوية:
عن أبي هريرة , عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال:"دعوني ما تركتكم, إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم, فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه, وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" [2] .
إذ يرشد ظاهر الحديث إلى تشدد الشارع في المنهيات أكثر من تشدده في المأمورات, حيث أمر الرسول صلى الله عليه وسلم باجتناب المنهيات بإطلاق, أما المأمورات فقد جعلها منوطة بالاستطاعة. ولما كانت المفاسد داخلة في المنهيات, و المصالح داخلة في المأمورات اقتضى هذا تقديم دفع المفاسد على جلب المصالح, لأن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قواعد الأحكام 1/ 83.
[2] رواه البخاري 9/ 94 - 95 (7288) ، ومسلم 2/ 975 (1337) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.