6 -المباح بالجزء, يكون مطلوب الفعل أو مطلوب الترك بالكل ( [1] {قاعدة متفرعة}
هذه القاعدة هي أيضا من القواعد التي تميز الشاطبي بإبرازها والاستدلال لها وبيان آثارها. وهي تقوم على تقسيمه المعروف للمقاصد الشرعية, إلى مقاصد أصلية ومقاصد تابعة. قال رحمه الله:"المقاصد الشرعية ضربان: مقاصد أصلية, ومقاصد تابعة."
فأما المقاصد الأصلية فهي التي لا حظَّ فيها للمكلف, وهى الضروريات المعتبرة في كل ملة. وإنما قلنا: إنها لا حظ فيها للعبد, من حيث هي ضرورية, لأنها قيام بمصالح عامة مطلقة لا تختص بحال دون حال ولا بصورة دون صورة ولا بوقت دون وقت. لكنها تنقسم إلى ضرورية عينية, وإلى ضرورية كفائية.
فأما كونها عينية, فعلى كل مكلف في نفسه, فهو مأمور بحفظ دينه اعتقادًا وعملًا, وبحفظ نفسه قياما بضرورية حياته, وبحفظ عقله حفظا لمورد الخطاب من ربه إليه, وبحفظ نسله التفاتا إلى بقاء عوضه في عمارة هذه الدار ورعيا له عن وضعه في مضيعة اختلاط الأنساب العاطفة بالرحمة على المخلوق من مائه, وبحفظ ماله استعانة على إقامة تلك الأوجه الأربعة. ويدل على ذلك ( [2] أنه لو فرض اختيار العبد خلافَ هذه الأمور لحجر عليه ولحيل بينه وبين اختياره. فمن هنا صار فيها مسلوب الحظ محكوما عليه في نفسه. وإن صار له فيها حظ, فمن جهة أخرى تابعة لهذا المقصد الأصلي.
وأما كونها كفائية, فمن حيث كانت منوطة بالغير أن يقوم بها على العموم في جميع المكلفين, لتستقيم الأحوال العامة التي لا تقوم الخاصة إلا بها. إلا أن
[1] - انظر: الموافقات 1/ 141 - 142.
[2] - أي على كونها مقاصد أصلية ضرورية لازمة.