مقابل ذلك نجد أن بعض الطباع والعادات ربما استحسن ما هو مكروه في الشرع, فلا أثر لهذا الاستحسان, ولا قيمة لتلك العادة, بل يجب أن يعامل المكروه شرعًا كالمكروه حسًا وعادة, كما نصت عليه القاعدة الأخرى"المستقذر شرعًا كالمستقذر حسًا".
ويتبين مما تقدم أن هذه القاعدة تشمل مسائل العبادات والعادات, وهي وإن لم نقف عليها بلفظها إلا عند الإمام المقري - رحمه الله تعالى - إلا أن معناها معتبر عند عامة الفقهاء.
1 -قوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [سورة البقرة 67] ."فقد دلت الآية على أن ما يكره الشخص أخذه والانتفاع به من رديء المال وخبيثه, يكره له أن يتصدق به؛ لأن الصدقة عبادة وقربة, وما يعافه الشخص في استعماله وعاداته هو أولى أن يكره في عباداته كالصدقة" [1] , كما يدل على ذلك سبب نزول الآية, وهو ما رواه الحاكم و غيره عن البراء بن عازب - رضي الله تعالى عنه - قال:"نزلت في الأنصار. كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل أخرجت من حيطانها البسر فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيأكل فقراء المهاجرين منه, فيعمد الرجل منهم إلى الحَشَف [2] فيدخله مع أقناء البسر, يظن أن ذلك جائز, فأنزل الله فيمن فعل ذلك {وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} " [3]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] نظرية التقعيد الفقهي ص 129 - 130.
[2] الحَشَف: اليابس الفاسد من التمر. النهاية في غريب الحديث 1/ 391.
[3] رواه الترمذي 5/ 218 (2987) ؛ وابن ماجه 1/ 583 (1822) ؛ وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.