على أن ما جاءنا عن أفراد من الصحابة , إذا ثبت وصح نقله, يكون معتبرا ومعتمدا أيضا, ويكون على الأقل أولى بالاعتبار مما قاله واحد من غير الصحابة.
... للعلماء وجوه متعددة من الاستدلال على هذا المقام وهذه المكانة التي أعطوها للصحابة رضوان الله تعالى عنهم, سواء في علمهم بالدين عامة, أو في معرفتهم بمقاصد الشرع خاصة. ويمكن إجمالها في الوجوه الخمسة الآتية.
وهذه مسألة لا تحتاج إلى إثبات أو بيان؛ فالصحابي إنما سمي صحابيا لصحبته رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وتلقيه مباشرة منه. ولكن الذي ينبه عليه العلماء عادة, هو أثر هذه المباشرة والمعاينة من الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينقل الأحكام الشرعية ويبينها, ويمارسها وينفذها. فمما لا غبار عليه أن من أتيحت لهم هذه المباشرة والمعاينة والملامسة, يكونون أفهم وأوعب لِما قيل ولِما جرى, مقارنة مع من يتلقون ذلك رواية وحكاية. قال ابن عاشور:"الصحابة شاهدوا من الأحوال ما يُبَصِّرهم بمقاصد الشرع" [1] . يوضح ذلك قولُ ولي الله الدهلوي:"أما قوانين التشريع والتيسير وأحكام الدين, فتلقوها من مشاهدة مواقع الأمر والنهي, كما أن جلساء الطبيب [2] يعرفون مقاصد الأدوية التي يأمر بها بطول المخالطة والممارسة [3] . ..."
... وهذه الصحبة المباشرة والمعايَشة المتكررة لرسول الله صلى الله عليه وسلم , كانت تهيئ للصحابة علما وفيرا ورصيدا كبيرا, سوى ما نقل إلينا ورواه الرواة جيلا بعد جيل, من النصوص القرآنية والحديثية. وما راءٍ كمن سمع, وما مُخبَرٌ كمُعاين. وهذه هي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور ص 206.
[2] مثل الممرض الملازم للطبيب.
[3] حجة الله البالغة 1/ 289.