تقدَّم في القاعدة السابقة التعريف بكلٍّ من الوسائل والمقاصد لغة واصطلاحا, والتنبيه إلى أن المعنى الذي تشترك فيه جميع الوسائل هو أنها مطلوبة للوصول إلى غيرها, وأن المعنى الذي تشترك فيه جميع المقاصد هو أنها مطلوبة لذاتها, وأن كثيرا من الأعمال يجتمع فيها المعنيان معا, فتكون مقصدا باعتبارها مطلوبة لذاتها, ووسيلة باعتبارها موصلة إلى غيرها. كما تمّ في قاعدة:"وسيلة المقصود تابعة للمقصود"بيان طبيعة العلاقة بين الوسائل والمقاصد من حيث تبعية الوسائل للمقاصد في جميع الاعتبارات.
وتبين هذه القاعدة واحدًا من أبرز آثار التمييز بين الوسائل والمقاصد, وهو أن المقاصد مقدمة في الأهمية والمكانة على وسائلها التي تفضي وتوصل إليها, وأنها أولى منها بالعناية والاعتبار.
وهذا المعنى الذي تعبر عنه القاعدة هو نتيجة بدهية يقررها النظر السديد الذي يدرك التفاوت والتباين بين طبيعة المقاصد التي تقصد لذاتها, وطبيعة الوسائل التي تقصد لغيرها, ولهذا قال الغزالي:"اعلم أن الشيء النفيس المرغوب فيه ينقسم إلى ما يطلب لغيره, وإلى ما يطلب لذاته, وإلى ما يطلب لذاته ولغيره, فما يطلب لذاته أفضل وأشرف مما يطلب لغيره." [1]
وبناء على هذا الملحظ العقلي البدهي الذي يشهد لهذه القاعدة, كان مضمونها مطردًا مطلقًا ولا يرد عليه أيّ استثناء, فهو معنى كلي نافذ و جار في كل مصلحتين تكون إحداهما وسيلة للأخرى, وفي كل مفسدتين تكون إحداهما وسيلة للأخرى, وفي كل فعلين يكون أحدهما وسيلة للآخر. و هذا ما حدا بالقرافي لاعتبار هذه القاعدة محل اتفاق بين جميع العلماء , وأن معناها العام لا يتخلف أبدًا, وعبّر عن هذا المعنى بقوله:"الوسائل أبدًا أخفض رتبة من المقاصد إجماعا,"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] إحياء علوم الدين للغزالي 1/ 11.