أسباب لرفع الجناح أو إباحة ما ليس بمباح, فعلى كل تقدير, إنما هي موانع لترتب أحكام العزائم مطلقا, وقد تبين في الموانع أنها غير مقصودة الحصول ولا الزوال للشارع, وأن من قصد إيقاعها رفعا لحكم السبب المحرم أو الموجب ففعله غير صحيح, فكذلك الحكم بالنسبة إلى أسباب الرخص من غير فرق" [1] ."
وظاهر من خلال هذا العرض والبيان الذي قدمه الشاطبي , أن استعمال أسباب الرخص لأجل الترخيص, هو في حقيقته شكل من أشكال التحايل على الشريعة, عن طريق استعمال الفعل المشروع وهو سبب الرخص هنا, لأجل الوصول إلى ما هو غير مشروع وهو المتمثل في التهرب من أحكام العزائم.
ترتكز أدلة هذه القاعدة على عموم الأدلة التي منعت من التحايل على أحكام الشريعة, باستخدام الأفعال المشروعة في أصلها, لأجل الوصول إلى غايات ومقاصد غير مشروعة فمن ذلك مثلا:
1 --قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة -231] .
يرشد إلى وجه الدلالة في هذه الآية على المقصود ما ورد في سبب نزولها: أن الرجل كان يطلق زوجته تطليقة واحدة ثم يدعها, حتى إذا ما كادت تخلو عدتها راجعها ثم يطلقها, حتى إذا كادت تخلو عدتها راجعها ولا حاجة له فيها, إنما يريد أن يضارها في ذلك [2] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الموافقات للشاطبي 1/ 350.
[2] جامع البيان للطبري 5/ 9 - 11.