فهرس الكتاب

الصفحة 1908 من 19081

التكليف والانقضاض على العزائم, وإنما قصد التخفيف والتيسير على المكلفين حتى تكون حياتهم كريمة وميسرّة, فإذا استعملها المكلف للتحايل على التشريع كان قصده مناقضا لمقصود الشارع ومصادمًا للغاية التي وضعت هذه الأسباب من أجلها, ومن هنا قررت هذه القاعدة بطلان هذا القصد ورده على صاحبه, وعدم اعتبار السبب حينئذ موجبًا لأي تيسير أو تخفيف أو ترخص.

هذا, وللإمام الشاطبي تحليل عميق في تأصيل هذه القاعدة وتقرير معناها يعتمد فيه على تصور حقيقة أسباب الرخص وتكييفها الشرعي, إذ يرى أن أسباب الرخص هي في حقيقتها موانع من انحتام العزائم التحريمية أو الوجوبية, حيث تمنع من وجوب ما ثبت وجوبه كالسفر الذي منع من وجوب الصيام في رمضان بحق المسافر, أو تمنع من حرمة ما ثبت تحريمه كالضرورة التي منعت من حرمة بعض المطعومات بحق المضطر إليها, وإن من الثابت المقرر في أحكام المانع أن المكلف غير مخاطب في تحصيله من حيث هو مانع, ولا في عدم تحصيله أيضا؛ لأنه من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف, ولكن المكلف إذا فعل المانع قصدًا لإسقاط الحكم الشرعي عنه فإن عمله غير صحيح, فالدّين مثلا مانع من وجوب الزكاة وهو لا يتعلق به خطاب تكليفي من حيث ذاته, فلا يطلب الشارع من المكلف الاستدانة ولا عدمها, فإذا استدان مالك النصاب لحاجته كان له ذلك, وانبنى على هذا المانع الحكم من حيث عدم مطالبته بالزكاة. ولكن مالك النصاب إذا قصد من فعل المانع إسقاط حكم السبب عنه كان قصده غير صحيح, وعمله غير صحيح أيضا؛ كمن يستدين لا لأجل الحاجة وإنما لأجل التهرب من الزكاة, فإذا كانت هذه هي أحكام الموانع فإنه تجري نفسها على أسباب الرخص؛ لأنها موانع من انحتام العزائم.

وهذا المعنى هو ما عبر عنه الشاطبي بقوله:"أسباب الرخص ليست بمقصودة التحصيل للشارع ولا مقصودة الرفع؛ لأن تلك الأسباب راجعة إلى منع انحتام العزائم التحريمية أو الوجوبية, فهي إما موانع للتحريم أو التأثيم, وإما"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت