فهرس الكتاب

الصفحة 7613 من 19081

وقد ذكر الجويني -رحمه الله- السبب في تقديم الشافعية حق العبد على حق الله تعالى في العقوبات, وتقديهم حق الله تعالى على حق العبد في حقوق الأموال, فقال:"فإن قيل: [قطعتم] القول بتقديم حق الآدمي في العقوبة إذا فرض الازدحام, كما صورتموه, وردّدتم الأقوال في حقوق الأموال, وقلتم في قولٍ: نقدم حق الله تعالى على حق الآدمي, فما الفاصل بين الأصلين؟ قلنا: حق الله تعالى في العقوبات يتعرض للسقوط بالشبهات, حتى انتهى الأمر فيها إلى قبول الرجوع عن الإقرار بها, وحق الآدمي في العقوبة آكد, ولا يسقط بما يسقط به حق الله تعالى؛ فاقتضى ذلك تقديم الآكد, والحقوقُ المالية وإن أضيفت إلى الله تعالى, فإنها لا تتعرض للسقوط بالشبهات, وانضاف إليه أن مصرف حقوقِ الله تعالى في الأموال للآدميين, فكأنه يجتمع فيه حق الآدمي والتأكد بالإضافة إلى الله تعالى. هذا هو الفرق بين الأصلين." [1]

وهذه القاعدة من القواعد المهمة التي تبرز جانب التيسير والرفق في الشريعة, وأصل تقعيدها هو الترجيح, وتقديم حق العبد فيها على حق الله تعالى ليس من جهة التفضيل, ولكن من جهة رحمة الله ولطفه.

1 -استدل المالكية ومن وافقهم بأن الحدود تسقط بالشبهة [2] وهي من حقوق الله تعالى, وكذلك تسقط بعض حقوقه تعالى بالتوبة, كتوبة المحاربين قبل القدرة عليهم, وكذلك الرخص والتخفيفات تقع في حقوقه عز وجل, كقصر الصلاة للمسافر والتيمم عند عدم الماء, أما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] نهاية المطلب 17/ 321.

[2] لحديث (ادرءوا الحدود بالشبهات) وهو مختلف في صحته مرفوعا، وصح موقوفا على بعض الصحابة. كعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وغيرهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت