على أن الله تعالى قد أسبغ على الإنسان تكريما آخر في هذا المجال, وهو أنه ترك له مساحة شاسعة للاجتهاد في تقرير الأحكام التشريعية والقضائية والتنفيذية التي تناسبه, وذلك في كنف الشرع المنزَّل وتحت ظلاله. فإبقاء الإنسان تحت حاكمية الله ورعايته, بواسطة كتبه المنزلة وشرائعه الممهدة, هو بدون شك تشريف وتكريم, يدلان على ما لهذا الكائن من قيمة ومكانة. ولكن هذا لم يصل إلى حد إلغاء سلطان الإنسان وحاكميته في شؤون نفسه وشؤون هذا الكون المسخر له, بل بقي له من ذلك حيز كبير يسع كل مؤهلاته وقدراته. فكان هذا وجها آخر من وجوه التشريف والتكريم.
... من أبرز ما جاءت به الشرائع المنزلة تكليف الإنسان بعبادة ربه وإفرادِه بهذه العبادة. بل كل ما في هذه الشرائع هو نوع من العبادة لله تعالى, ولكن غلب إطلاق اسم العبادة على تكاليف شرعية معينة ومخصوصة, أصبحت معروفة بهذا الوصف؛ كالطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والذكر. فهذه العبادات في مجملها تكريم للعبد؛ لكونها تتيح له أن يكون دوما متصلا بربه الكريم في علاه, طالبا لعونه وهداه, داخلا في حضرته, راجيا لرحمته ...
... وإلى هذا التكريم الإجمالي الذي تشترك فيه كل العبادات, فإن هناك وجوها من التشريف والتكريم تختص بها الواحدة أو أكثر من هذه العبادات.
فمن ذلك أن الطهارات الشرعية المتكررة - من وضوء وغُسل واستياك واستنجاء وطهارة للثياب والمكان - فيها من التكريم والارتقاء بالإنسان, ما لا يخفى على أحد عرفها وعرف أحكامها, فضلا عمن مارسها ولابسها. والتطهر من أوائل التكاليف التي جاء بها الإسلام ونزل بها القرآن, وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر - 1 - 4] . والطهارات الشرعية - باعتبارها عبادات- هي طهارات حسية ومعنوية, ظاهرية وباطنية, في آن واحد. ولكن لو لم نعتبر إلا جانبها الحسي الظاهري لكان من أعظم التكريم والترقية للإنسان. فهي تجعل الإنسان الملتزم بها متطهرا على التمام