فهرس الكتاب
هذا السبب قريب من جهة المعنى من السبب السابق, وبيان ذلك أن سبب الاستثناء السابق - وهو القياس - يشير في الغالب إلى قاعدة أو ضابط في موضوع المسألة المستثناة؛ فمثلًا: في المثال السابق نستطيع أن نتلمس من القياس قاعدة, وهي أن مواضع الاجتهاد يجزئ فيه الظن وإن بان خطؤه.
وتوضيح هذا السبب: أن بعض المسائل تكون داخلة في قاعدة, ومع ذلك يحكم باستثنائها من هذه القاعدة بسبب مانع يتمثل في قاعدة أخرى هي بها أولى؛ حيث تتنازع المسألةَ قاعدتان, فيظهر اندراج المسألة في قاعدةٍ ما, ولكنها تعتبر عند بعض العلماء من مستثنيات القاعدة لأنه قد نازعتها قاعدة أخرى هي بها أولى, فتكون المسألة مستثناة من القاعدة الأولى بسبب رجحان قاعدة على أخرى. وهذا السبب ألمح له بعض العلماء, فمن ذلك قول ابن السبكي عن المستثنيات من القواعد لمعنى وعلة فيها:
"والمستثنى منها: إما ... وإما معقول المعنى, فلا بد من لحاقه بأصل آخر, ويكون قد اجتذبه في الحقيقة أصلان تعلق بأقربهما شبهًا, واستمسك بأقواهما وأوفقهما بالنسبة إليه ... وأما الخارج لمعنى فذاك المعنى هو أصله الآخر الذي اجتذبه, فلاح بهذا أنه لا يخرج لمعنى إلا وقد لحق بأصل آخر؛ خرج من هذا فدخل في هذا, ولم يكن ضائعًا" [1]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الأشباه والنظائر 2/ 303. وينبغي التنبيه في هذا النص على أمرين: الأمر الأول: أن المراد بالأصلين فيه القاعدتان حسبما يقتضيه المقام الذي ذُكِرَ فيه النص، وإطلاق لفظ (الأصل) على القاعدة أمر مستعمل عند بعض العلماء؛ وبهذا يتبين أن هذا الفرع تجاذبه أصلان أي قاعدتان.
الأمر الثاني: أن المراد بالمعنى في هذا النص (العلة) بدليل مقابلته في الكتاب بالمستثنى التعبدي، ويكون المراد من الكلام: أن الفرع فيه علتان، وكل علة تقتضي لحاقه بقاعدةٍ لمطابقة تلك العلة للعلة الموجودة في القاعدة، لكنَّ قوة شبه إحدى علتي الفرع بعلة إحدى القاعدتين اقتضت استثناءه من قاعدة وإلحاقه بقاعدة أخرى، فصار سبب الاستثناء الظاهر هو القاعدة التي أُلْحِقَ بها وجذبته إليها.