"لكن ربما يعارض بعضَ فروع تلك القواعد علةٌ مؤثرة تخرجها عن الاطراد, فتكون مستثناة من تلك القاعدة, معدولًا بها عن سنن القياس, إما ... وإما بالقياس الخفي المعبر عنه بالاستحسان (وهو ما قوي أثره) يقدم على القياس الجلي, كسؤر سباع الطير؛ إذ المعتبر هو الأثر لا الظهور" [1] .
ومن أمثلة هذا السبب: أن من القواعد الفقهية قاعدة (لا عبرة بالظن البين خطؤه) وقد ذكرها عدد من العلماء [2] , ومعناها: أن الإنسان إذا بنى عملًا ما على ظن - وهو الطرف الراجح - فالأصل أن عمله صحيح ومجزئ, ولكن إذا تبين أن ظنه خطأ فإنه لا عبرة بهذا الظن, بمعنى أن العمل الذي بُنِيَ على الظن يكون غير صحيح وغير مجزئ. ومما يدخل في هذه القاعدة المسألة الآتية: لو أن إنسانًا رأى شخصًا, فظن أنه فقير, واجتهد في التأكد من ذلك, فأعطاه من الزكاة, ثم تبين أنه غني وليس من أهل الزكاة, فإن هذه القاعدة تقتضي أن الزكاة لا تجزئ, ولكن بعض العلماء استثنوا هذه المسألة من القاعدة, وسبب الاستثناء قياس هذه المسألة على مسألة من اجتهد في القبلة, فظن أن جهةً ما هي القبلة, فاتجه إليها, ثم تبين أنه مخطئ في القبلة, فإن الصلاة تجزئه, وظنه معتبر, وقد ترجح إلحاق هذه المسألة المستثناة بمسألة القبلة بجامع أن كلًا منهما محل للاجتهاد, والوصول للقطع فيهما متعذر أو متعسر, وقد ألمح ناظر زاده ه لذلك بقوله عن المستثنيات من هذه القاعدة:
"وخرج عن الأصل الذي ذكرنا في صدر الكلام مسائل: ... ومنها: لو ظنّه مصرفًا, فدفع, ثم تبيّن أنه غنيٌّ أو هاشميٌّ: فلا إعادة عليه عندهما أيضًا."
والجواب: أن الوقوف على هذه الأشياء بالاجتهاد دون القطع, فيُبنى الأمر فيها على ما يقع عنده. كما إذا اشتبهت عليه القبلة" [3] ."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] شرح المجلة 1/ 11، 12.
[2] انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي 157؛ والأشباه والنظائر لابن نجيم 161؛ ومجلة الأحكام العدلية (16) المادة رقم (72) .
[3] ترتيب اللآلي 2/ 964، 965.