إلى العرف والعادة؛ لما تقرر شرعًا من أن"ما لم يرد الشرع بتحديده يرجع فيه إلى العرف" [1] , فمتى اعتبر الكلام منفصلًا بعضه عن بعض عرفًا, تقرر حكم الكلام السابق بالسكوت المتخلل في ثنايا الكلام السابق واللاحق.
وتجدر الإشارة إلى أن استعمالات الفقهاء لهذه القاعدة وإن كانت تدور - في الغالب - حول سكوت المتكلم فيما تشترط فيه الموالاة من الكلام, إلا أن ذلك لا يمنع من تعميم حكم القاعدة بحيث يشمل الكلام الطويل الذي قد يتخلله أكثر من سكوت بالمعنى السابق, ومع هذا يعتبر الكلام متصلًا عرفًا وحكمًا, مثل كلام العاقدين قبل انفضاض المجلس [2] , وكذلك كلام الخطيب, وكلام الكاتب والمؤلف في كتابه - مثلًا - فمثل هؤلاء قد يعتري كلامَهم سكوتٌ أكثر من مرة, وقد يكون في آخر كلامهم ما يغير أوله, فما يتقرر به حكم كلام الشخص هو سكوته الأخير الذي به ينتهي كلامه؛ لما تقرر شرعًا من أن"الكلام بآخره" [3] , وبخاصة إذا كان آخره مغيرًا لأوله.
1 -هذه القاعدة من القواعد المبنية على عرف أهل اللغة, فإن السكوت بعد الكلام يعتبر عندهم موجبًا لترتب آثار الكلام عليه, ويعاملون المتكلم بمقتضاه, كما لا يبنون الحكم على كلامه قبل السكوت والفراغ منه. وهذا ما يشهد له جميع الآيات التي لا يجوز السكوت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المغني لابن قدامة 4/ 18. وانظر أيضًا: أشباه السيوطي ص 410.
[2] هذا بناءً على مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة، وكذلك الزيدية، الذين لا يشترطون فورية القبول بعد الإيجاب في عامة العقود، ويعتبرون مجلس العقد كالعقد نفسه، خلافًا للشافعية الذين يشترطون أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول. انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 30/ 216 - 217؛ البحر الزخار 4/ 11
[3] انظر: حاشية ابن عابدين 8/ 145؛ الذخيرة 9/ 300؛ أسنى المطالب لزكريا الأنصاري 2/ 315؛ شرح الزركشي 2/ 155؛ المحصول للرازي 1/ 372.