تعتبر هذه القاعدة امتدادًا للقواعد السابقة التي كشفت عن جملة من معايير المفاضلة والموازنة بين المصالح المتعارضة؛ وذلك باعتبار الحكم الذي يتعلق بالمصلحة أو المفسدة, أو الرتبة التي تنتمي إليها, أو النوع الذي تنتظم فيه.
وفي هذه القاعدة -التي نحن بصددها -ينجلي معيار جديد هو النظر إلى كمية المصلحة أو المفسدة ومقدارها وحجمها, مقارنة مع المصلحة أو المفسدة التي تعارضها وتزاحمها.
ويلجأ إلى هذا المعيار الكمي عندما تتساوى المصالح في الاعتبارات الأخرى, بأن يكون حكمها واحدًا, ورتبتها واحدة, والنوع الذي تنتسب إليه واحدًا أيضا, فيصار حينئذ إلى الترجيح بناء على كمية المصلحة ومقدارها, فالكثير يرجَّح على القليل, والوفير يغلب على اليسير.
أما إذا كانت المصالح أو المفاسد متفاوتة في الحكم أو الرتبة أو النوع, فالترجيح يكون بناء عليها لا على أساس الكمية والحجم والمقدار.
... وتختلف الأشياء التي ينظر إلى مقدارها وكميتها, لتتحدد بها المصلحة الراجحة من المرجوحة, تبعًا لطبيعة المصلحتين, فقد ينظر إلى كثرة الأجر والثواب المتحصل من العمل فيما إذا كانت المقابلة بين طاعتين إحداهما أكثر أجرًا من الأخرى, قال القرافي:"التفضيل بكثرة الثواب الواقع في العمل المفضل وله مثل: أحدها الإيمان أفضل من جميع الأعمال بكثرة ثوابه, فإن ثوابه الخلود في الجنان والخلوص من النيران وغضب الملك الديان. وثانيها صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين صلاة 1. وثالثها الصلاة في أحد الحرمين أفضل من"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه البخاري 1/ 131 (645) واللفظ له. ورواه مسلم 1/ 450 (249) ، كلاهما عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. ورمز له المزي (رقم 8367) خ م س. وتتمة الحديث"بسبع وعشرين درجة"وقوله:"الفذ"أي المفرد، يقال فذ الرجل من أصحابه إذا بقي منفردًا وحده. وقد رواه مسلم (1/ 451 رقم 250) من رواية عبيد الله ابن عمر عن نافع، وسياقه أوضح، ولفظه:"صلاة الرجل في الجماعه تزيد على صلاته وحده". انتهى من فتح الباري 2/ 155 (645) .