فهرس الكتاب

الصفحة 2612 من 19081

ومن المجالات التطبيقية الواسعة لهذه القاعدة, مجال الترجيح بين المصالح والمفاسد المتزاحمة والمتعارضة. فكثير من الترجيحات إنما ترجع إلى ما تقتضيه العقول والتجارب, حتى قال ابن عبد السلام:"واعلم أن تقديم الأصلح فالأصلح, ودرءَ الأفسد فالأفسد, مركوز في طبائع العباد نظرًا لهم من رب الأرباب, كما ذكرنا في هذا الكتاب, فلو خيرتَ الصبي الصغير بين اللذيذ والألذ لاختار الألذ, ولو خُير بين الحسن والأحسن لاختار الأحسن, ولو خير بين فلس ودرهم لاختار الدرهم, ولو خير بين درهم ودينار لاختار الدينار" [1] .

... وقال الآمدي:"العاقل إذا عنَّ له مقصودان متساويان, وكانت المقدمات الموصلة إلى أحدهما أكثر من مقدمات الآخر [2] , فإنه يبادر إلى ما مقدماته أقل. ولولا أن ذلك أفضى [3] إلى مقصوده وأغلبُ لَما كان إقدامه عليه أغلب, لخلوه عن الفائدة المطلوبة من تصرفات العقلاء" [4] .

... أدلة القاعدة:

... هذه القاعدة دل عليه وأرشد إليها كثير من أدلة الشرع وقواعده, نذكر منها:

1_ قوله تعالى {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [سورة النساء: 6] . فهذه الآية الكريمة أمرت القيمين على أموال اليتامى القاصرين باختبار هؤلاء القاصرين وتجريبهم في تصرفاتهم المالية, فإذا ثبت بالتجربة المتكررة رشدهم وحسن تدبيرهم سُلمت إليهم أموالهم, وإلا أُخر ذلك إلى أن يثبت رشدهم وأهليتهم. قال الطبري:"قال أبو جعفر [5] : يعني تعالى ذكره بقوله: (وابتلوا اليتامى) : واختبروا عقول يتاماكم في أفهامهم, وصلاحهم في"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1/ 9.

[2] يعني أن المقصودين متساويان في ذاتهما، ولكن كلفة الوصول إليهما متفاوتة بينهما. . .

[3] أي أكثر إفضاء وأيسر تحقيقا للمقصود.

[4] الإحكام في أصول الأحكام 4/ 140.

[5] يقصد نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت