والثاني: أن الصرامة والشدة التي تتصف بها العقوبات الحدّية من شأنها أن تحقق الردع والزجر المطلوبين من أي عقوبة, وأن تفضي إلى تقليل نسبة الإجرام, وحماية أمن الفرد والمجتمع والدولة, ودفع الفساد عن الأصول التي لا تقوم حياة الناس إلا بها, وهي: الدين والنفس والنسل والعقل والمال. بينما لا تتحقق هذه المعاني والمصالح فيما لو كانت العقوبات المقررة رخوة وخفيفة كالسجن أو التوبيخ أو الغرامة المالية, حيث إنها تغري المجرم بالإقدام على جريمته بدلا من أن تزجره وتردعه عنها, وفي هذا من الفساد ما فيه.
الأصل الذي تستند إليه هذه القاعدة هو الدليل العقلي, فما دامت الوسائل غير مطلوبة لذاتها وإنما هي مطلوبة لما تفضي إليه من المقاصد, وكانت تلك المقاصد تتحقق بأكثر من وسيلة وطريق, فلا وجه إذًا لحصر تلك الوسائل بوسيلة واحدة تعيينًا, لأن هذا يخالف منطق العقول ومقتضاها, قال ابن القيم:"والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد, ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها, ولن تجد طريقًا من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعة وسبيل للدلالة عليها, وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك." [1]
تطبيقات القاعدة:
1 -المقصود من الحضّ على استعمال السواك هو تنظيف الأسنان وتطهير الفم, ولا يختص تحصيل هذا المقصود بوسيلة بعينها, حيث يجوز بعود الأراك وبغيره من الأعواد الأخرى ما دام طاهرًا غير ضار ويحقق المقصد المطلوب [2] . كما يقوم مقام السواك اليوم أدوات تنظيف الأسنان الحديثة مثل الفرشاة ونحوها باعتبارها تحقق إزالة الأذى وطيب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] إعلام الموقعين 3/ 373.
[2] انظر: حاشية ابن عابدين 1/ 114 - 115، المجموع للنووي 1/ 349، المبدع لابن مفلح 1/ 101،