معالجة المكروهات على سبيل الجملة, بحيث يأتي الشخص المكروه ويداوم عليه, أو تشتغل الجماعة كلها بمكروه ما؛ لما في ذلك من الجرأة على ما هو آكدُ منه, والتوسل إلى الإخلال به؛ فصار الأخفُّ كأنه حِمًى للآكد, والراعي حول الحمى يوشك أن يرتع فيه, فكان المُخِلُّ بما هو مكمِّلٌ كالمُخِلِّ بالمكَمَّل من هذا الوجه [1] ؛ قال الإمام الغزالي - رحمه الله:"قلّما يُتصوّر الهجوم على الكبيرة بغتة, من غير سوابقَ ولواحقَ من جهةِ الصغائر" [2] , وتأسيسًا على هذا الأصل: قلما يتصور الهجوم على انتهاك المحرم بغتة بفعله, من غير سوابق ولواحق من جهة الجرأة على إتيان المكروه, والمداومة عليه. .
يدل للقاعدة وجوه, منها:
1 -الاتفاق على التجريح بما داوم عليه الإنسان مما لا يجرح به لو لم يداوم عليه. وهو أصل متفق عليه بين العلماء في الجملة, ولولا أن للمداومة تأثيرًا لم يصح لهم التفرقة بين المداوم عليه وما لم يداوم عليه من الأفعال, لكنهم اعتبروا ذلك فدلَّ على التفرقة, وأن المداوم عليه أشد وأحرى منه إذا لم يداوم عليه [3] , فمواقعة المكروه إذا كانت من غير مداومة لم تقدح في العدالة, فإن داوم عليها فاعلها, قدحت في عدالته, وذلك دليل على المنع منها على سبيل المداومة والكلية [4] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: الموافقات 2/ 31.
[2] إحياء علوم الدين 4/ 32.
[3] انظر: الموافقات 1/ 138.
[4] انظر: الموافقات 1/ 133.